شيء للوطن م. صلاح غريبة ألف يوم من الصمود: حينما يكون الجيش وطناً والشعب حياة

Ghariba2013@gmail.com
تمرّ علينا اليوم ذكرى أليمة في رزنامة الزمن، لكنها عظيمة في سجلات الكرامة؛ ألف يوم والسودان يواجه واحدة من أقسى معارك الوجود في تاريخه الحديث. لم تكن مجرد حرب بين طرفين، بل كانت زلزالاً استهدف اقتلاع جذور الدولة، ومحو اسم “السودان” من خارطة الاستقرار. ولكن، وسط هذا اللهيب، برزت حقيقة لا تقبل التزييف: السودان لا يحميه الكلام، بل تحميه سواعد الرجال الذين اختاروا الموت وقوفاً على أن يعيش الوطن مكسوراً.
في اللحظات الفاصلة من تاريخ الأمم، لا تبحث الشعوب عن رفاهية الخيارات، بل تبحث عن الضرورة. وكانت القوات المسلحة السودانية هي تلك الضرورة الحتمية، والخط الدفاعي الأخير الذي منع البلاد من الانزلاق إلى هاوية اللاعودة.
بينما كان البعض يساوم في الغرف المغلقة، كان الجندي السوداني في الميدان يكتب بدمه ميثاقاً جديداً للوطن. لم تكن المهمة نزهة، بل كانت صموداً في ظروف شديدة القسوة، وتضحية جعلت من جسد المقاتل ترساً يحمي ما تبقى من أحلامنا. لقد أثبت الجيش السوداني أنه ليس “أداة تخريب” أو “مشروع فوضى”، بل هو جيش من رحم الشعب، عقيدته الأرض، وحدوده الكرامة، وهدفه أن يظل السودان واقفاً مهما كان الثمن.
الدرس الأهم في هذه الأيام الألف، هو أن المواطن السوداني أثبت للجميع أنه أوعى وأقدر من نخبته السياسية. فبينما كانت القيادات تتفاوض على الكراسي والمناصب، كان المواطن يفاوض على “البقاء” و”الاستمرار”.
ما نشهده اليوم من عودة للحياة في كثير من المناطق ليس نتاج اتفاقات سياسية شكلية، بل هو تعافي شعبي بامتياز بعودة الأسر وفتح الأبواب المقفولة وترميم ما دمرته الحرب بجهود ذاتية، وإعادة الإعمار، مزارعون عادوا لأرضهم، وتجار فتحوا دكاكينهم في أحياء كان يسكنها الصمت والخراب، ثم الإرادة الصلبة فالحياة تعود “حبة حبة” لأن الشعب قرر أن الموت ليس قدراً محتوماً.
نعم، السودان اليوم متعب ومجروح، والندوب غائرة في جسد المدن والقلوب، لكنه حي. وهذا البقاء لم يأتِ من فراغ؛ لولا صمود الجيش ما كان هناك بيوت نعود إليها، ولا أحياء نتحدث عن تعافيها، ولا وطن نختلف على مستقبله أصلاً.
إن القوات المسلحة لم تكن خياراً سياسياً، بل كانت “صمام أمان” الدولة أمام محاولات التفكيك. بوقوفها في وجه الفوضى، فتحت طريقاً وسط الركام يمتد نحو “بُكرة”.
إن الألف يوم الماضية رسخت حقيقة تاريخية: السودان عصيٌ على الانكسار ما دام جيشه وشعبه في خندق واحد. التحية لكل جندي لم يتراجع، ولكل مواطن رمّم جداراً أو زرع بذرة في عز الحريق.
لقد بدأ السودان يتعافى لأنه ببساطة ما استسلم. والمجد كل المجد للذين جعلوا من أرواحهم جسراً ليعبر الوطن إلى ضفة الأمان.
موسم جديد من تسكت بس ؟!
أخطر ما يمكن أن يحدث لوطنٍ ليس أن يُستهدف… بل أن يُعاد تشكيل وعيه حتى لا يدرك أنه يُستهدف.…





