أجيال النيل د.سهام موسى لا تبنِ لهم.. بل ابنِهم!

في مشهد تربوي لافت، أطلق مدير جامعة الخرطوم صرخة مدوية في وجه المفاهيم التقليدية للأمان المادي، نصيحة لم تكن مجرد كلمات عابرة في مؤتمر تعليم، بل هي “مانيفستو” جديد لإعادة صياغة علاقة الآباء بمستقبل أبنائهم. القاعدة الذهبية التي لخصها في عبارة: “استثمروا في أولادكم، وإياكم والاستثمار لهم”.
لقد اعتدنا فى مجتمعاتنا العربية أن نقرن الأمان بالخرسانة والأرصدة البنكية. يفني الأب عمره في بناء بيت “يستر” الأبناء، أو شراء أرض “تؤمن” مستقبلهم، متناسياً أن القيمة الحقيقية ليست في العقار، بل فيمن يسكن العقار. إن بناء “حجرة واحدة” لابنك قد يكون السجن الذي يحبس طموحه، بينما منحه تعليماً رفيعاً ولغات متعددة هو الجناح الذي سيطير به ليبني مدناً كاملة بجهده وعرقه.
المال الذي تتركه لابن “خاوٍ” من المهارة والوعي، هو مال عرضة للضياع مع أول أزمة اقتصادية أو قرار طائش. أما “الاستثمار في الشخصية”، فهو الأصل الوحيد الذي لا يخضع للتضخم ولا يمكن مصادرته.
تكمن عبقرية النصيحة في تفكيك الارتباط الشرطي بين “الشهادة الأكاديمية” و”النجاح في الحياة”. نحن نعيش في عصر “المواهب المتعددة”، حيث لم يعد التفوق الدراسي هو المسار الوحيد للتحقق. فالحياة لا تعترف فقط بمن يحفظ الكتب، بل بمن يكتشف “البصمة” التي ميزه الله بها.
المحظوظ حقاً ليس من ورث أرضاً، بل من وجد أباً أو أماً ساعداه على اكتشاف موهبته الكامنة، ثم استثمرا كل مليم زائد في تنمية تلك الموهبة بصقلها بالتدريب والممارسة. عندما يعلم الابن أن نجاحه مرتبط بقدرته على الإبداع وليس فقط بالدرجات الورقية، فإنه يتحول من “موظف ينتظر الراتب” إلى “مبتكر يصنع الفرص”.
لماذا يصر مدير جامعة الخرطوم على أن الابن سيبني بيتاً أفضل مما ستبنيه له؟ ….. لأن العلم والمهارة يختصران الزمن. المهندس المتمكن، أو المبرمج المبدع، أو الفنان الموهوب، يمكنه في سنوات قليلة من العمل الاحترافي أن يحقق ما استغرق والده عقوداً لجمعه. الفرق هنا هو “الرافعة” (Leverage)؛ التعليم والمهارة هما الرافعة التي تضاعف النتائج بجهد أقل.
إن تعليم الابن لغتين أو ثلاث، ودفعه لأرقى الجامعات، وتعريضه لثقافات مختلفة، لا يمنحه معرفة فقط، بل يمنحه “مرونة نفسية”. هذه المرونة هي التي ستجعله صامداً إذا تعثرت به الحياة. المال قد يذهب، لكن العقل الذي يعرف كيف يصنع المال لا يفتقر أبداً.
ارفعوا أيديكم عن تكنيز الذهب والعقار لأبنائكم، وابدأوا في ضخ تلك الموارد في عقولهم وأرواحهم. علموهم كيف يصيدون السمك بدلاً من أن تتركوا لهم سمكاً سيتعفن مع مرور الوقت. الورث الحقيقي ليس صك ملكية، بل هو إنسان سوي، متعلم، واثق، يمتلك الأدوات التي تجعله سيداً لمصيره.
تذكروا دائماً: ابنِ ابنك ولا تبنِ له.. فالبناء في الذات هو الخلود الحقيقي.
سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب
Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…





