الاستراتيجيات والفساد! د. لبابة عبد الرحيم منير علي

ان الحديث في السودان عن التنمية و بناء الدولة والتخطيط الاستراتيجي لابد ان يستصحب موضوع في غاية الاهمية عانت منه الدولة السودانية لعقود وكان من اسباب ما وصلنا له الان هو
الفساد
فهو السبب الاساسي الذي ادي ل تأخر الدولة السودانية وادي الي تشويه شكل مؤسساتها، فبالرغم من ما مرت به الدولة السودانية من لحظات حرجة قبل وبعد حرب الكرامة حيث اصبحت مشكلة السودان وجوديه ومن خلال معايشتي لهذا الواقع نجد ان نسبة الفساد زادت بصورة اكبرمما سبق.
لقد اوضح مؤشر مدركات الفساد العالمي (Corruption Perceptions Index – CPI) لعام 2024 الذي تنشره منظمة الشفافية الدولية، احتلال السودان المرتبة 170 من أصل 180 دولة في هذا المؤشر (أي ضمن أكثر الدول فسادًا عالميًا).
ان الفساد في السودان يمكن اعتباره الخطر الثاني بعد قوات المرتزقة الذين خاض الشعب والجيش ضدهم معركة الكرامة، فالفساد لا يقل خطورة عنهم لذلك يجب ان تدار ضده معارك حاسمة لا هوادة فيها، فهو الذي ادي لتدمير مؤسسات الدولة سابقا فدمر البنية التحتية من اساطيل طائرات كانت الاضخم في المنطقة العربية وكان يمكن ان تكون اكثر تطورا من الدول التي لحقت بنا الان، كما دمر اساطيل السفن السودانية و دمر مصانع السكر ودمر ودمر…… وما زال، مما أسهم في تعطيل مسيرة التقدم وبناء الدولة فكان له دور كبير في إضعاف الدولة، وتدهور الاقتصاد، وزيادة معاناة المواطنين.
كما ان غياب الوعي المجتمعي الكامل بهذا الامر زاد منه، في مجتمع يحترم فيه الفاسد ويعتبر ما قام به انجاز يتلقى علي اساسه المزيد من الاحترام، بل اصبحت هناك مجموعات معروفة بإدارة الفساد في كل مؤسسة ولها اساليبها الفاسدة لإخضاع الغير او ازاحتهم ….
الفساد من مهددات الأمن القومي
فهو عامل تدمير استراتيجي يقضي على قدرة الدولة على التخطيط والتنفيذ وتحقيق أهدافها، ولا يمكن لأي دولة أن تنجح في استراتيجيتها الوطنية ما لم تجعل محاربة الفساد جزءًا أساسيًا من هذه الاستراتيجية، عبر سيادة القانون، والشفافية، والمحاسبة، وبناء مؤسسات قوية تخدم الصالح العام.
فهو يُعدّ من أخطر العوامل التي تُفشل اي استراتيجية، إذ يعمل على تقويض أهداف الدولة وتحويل الخطط من أدوات للبناء إلى شعارات، و يهدر الموارد الاستراتيجية بكل أنواعها ويحوَّل الاستراتيجيات الي حبر علي ورق، او لتنفذ وخدمة مصالح فئات محددة بدلًا من المصلحة العام حيث يتم تغيير الأولويات الوطنية وفق أهواء المتنفذين لا وفق احتياجات المجتمع، مما يؤدي الي تعطيل المشاريع الاستراتيجية أو تأخيرها او تنفيذها بجودة ضعيفة نتيجة الرشوة والمحسوبية.
كما ان اخطر ما في الامر إسناد الاعمال لغير الأكفاء، مما يؤدي إلى فشل البرامج التنموية، فيدفع بالكفاءات إلى الهجرة أو التهميش ما يؤدي الي ضعف الكادر البشري فيبقي أصحاب المحابة وعدم الضمير هم المسيطرون علي المؤسسات فتزداد ضعفا، فيهدر المال العام عبر الاختلاس وسوء الإدارة و يسيء استغلال الموارد الطبيعية.
وبالحديث عن الاستراتيجية نجد
ان الاستراتيجية تحتاج إلى مؤسسات قوية، لكن الفساد يُضعف الأجهزة التنفيذية والرقابية، كما يضعف التنسيق بين مؤسسات الدولة فيترك بيئة إدارية غير قادرة على المتابعة والتقييم، بيئة غير مستقرة لا تسمح بتحقيق أي استراتيجية طويلة المدى.
كما ان اي استراتيجية لا تنجح دون دعم المواطنين ولكن الفساد يفقد المواطن الثقة في الدولة وخططها، فيولّد اللامبالاة ويرفض علي ضوئها المواطن المشاركة المجتمعية نتيجة تعمّق الشعور بالظلم وغياب العدالة مما يؤثر على الأمن والاستقرار وبالتالي يؤدي فشل الاستراتيجية الي اضطرابات اجتماعية وسياسية وزيادة الازمات الاقتصادية وزيادة نسبة الفقر.
ان الفساد يظهر في السودان بأشكال متعددة، من أهمها:
الفساد المالي: مثل اختلاس المال العام، وسوء إدارة الموارد، خاصة في القطاعات الحيوية.
الفساد الإداري: المحسوبية والوساطة في التوظيف والترقيات، وتعيين غير المؤهلين.
الفساد السياسي: استغلال السلطة لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية.
ضعف الشفافية في إدارة المؤسسات العامة وغياب الرقابة الفعالة.
هذه المظاهر أدت إلى إهدار ثروات البلاد رغم غناها بالموارد الطبيعية والبشرية.
حيث يكمن السبب الاساسي لانتشار الفساد في السودان يكمن في ضعف سيادة القانون وعدم تطبيقه على الجميع في ظل غياب المساءلة والمحاسبة الحقيقية.
فلا بد من الارادة السياسية الحقيقية والجادة التي يتم من خلالها تعزيز سيادة القانون و إنشاء وتفعيل مؤسسات رقابية مستقلة و شفافة ودعم الإعلام الحر لكشف قضايا الفساد.
كما يجب تبنّي مشروع وطني يقوم على النزاهة والعدالة، فهناك ثغرات كبيرة في الشفافية، والحوكمة، وسيادة القانون. ولكن لا يتم ذلك الا بتكاتف جهود الدولة والمجتمع.
ان بناء السودان من جديد لابد ان يبدأ بمحاربة الفساد، وترسيخ قيم النزاهة والعدالة، وبناء مؤسسات قوية تخدم المواطن وتحفظ حقوقه.
الفساد والحوكمة
إن الفساد في السودان ليس سلوك بقدر ما هو نتيجة مباشرة لغياب الحوكمة الرشيدة، وبالمقابل، فإن ترسيخ الحوكمة يمثل المدخل الحقيقي لكسر دائرة الفساد وبناء دولة عادلة وقادرة على تحقيق الاستقرار والتنمية.
فالحوكمة هي مجموعة القواعد والأنظمة والعمليات التي تُدار بها المؤسسات أو الدول، وتهدف إلى تحقيق الشفافية، والمساءلة، والعدالة، والكفاءة في اتخاذ القرار وتنفيذه، بما يخدم المصلحة العامة ويمنع إساءة استخدام السلطة.
تُعدّ الحوكمة من أهم الأدوات التي تمنع الفساد وتحدّ من انتشاره، بينما يُعدّ الفساد نتيجة مباشرة لضعف الحوكمة. وفي السودان ترتبط أزمة الفساد ارتباطًا وثيقًا بغياب الحوكمة الرشيدة عبر فترات طويلة، مما أسهم في إضعاف الدولة ومؤسساتها.
ان الحوكمة ليست قوانين مكتوبة، بل ثقافة وسلوك وممارسة يومية لابد ان تكون في المجتمع السوداني. وبدون حوكمة رشيدة، لا يمكن بناء دولة قوية أو مؤسسة ناجحة، خاصة في الدول التي تسعى لإعادة البناء والاستقرار.
ان بناء سودان جديد يبدأ بمحاربة الفساد
سيادة البيانات: المركز الوطني للمعلومات والعبور نحو “السودان الرقمي” ما بعد الحرب
Ghariba2013@gmail.com تمر الدول في أعقاب الأزمات الكبرى بمرحلة “المخاض الهيكلي”…





