‫الرئيسية‬ مقالات السلامة المرورية في إطار الوبائيات والصحة العامة (1)
مقالات - ‫‫‫‏‫42 دقيقة مضت‬

السلامة المرورية في إطار الوبائيات والصحة العامة (1)

مضمار_الحقائق : د. موسى آدم عثمان الفولاني 

تُعدّ الحوادث المرورية من أبرز التحديات الصحية المعاصرة التي تواجه المجتمعات في مختلف دول العالم، لما تسببه من وفيات وإصابات وعاهات دائمة وآثار نفسية واجتماعية واقتصادية واسعة النطاق. وقد تجاوزت الحوادث المرورية مفهومها التقليدي باعتبارها مجرد مشكلة نقل أو هندسة طرق، لتصبح قضية مركزية ضمن قضايا الصحة العامة وطب المجتمع، نظراً لارتباطها المباشر بمعدلات الوفيات والإعاقات وفقدان سنوات العمر المنتجة.

وتسعى الصحة العامة إلى حماية صحة السكان والحد من عوامل الخطر المؤدية إلى الأمراض والإصابات، ومن هذا المنطلق برز مفهوم السلامة المرورية باعتباره جزءاً أساسياً من منظومة الوقاية الصحية. فالإصابات الناجمة عن الحوادث المرورية تُعامل وبائياً باعتبارها مشكلة صحية يمكن التنبؤ بها والوقاية منها عبر استخدام الأساليب العلمية في الرصد والتحليل والتدخل الوقائي.

ضمن فعاليات أسبوع المرور العربي سنتطرق في مضمارنا إلى إسهامات الصحة العامة وعلم الوبائيات في إدارة الحوادث المرورية. لقد أسهم علم الوبائيات بصورة كبيرة في فهم الأنماط المرتبطة بالحوادث المرورية، من خلال دراسة توزيع الحوادث زمانياً ومكانياً، وتحليل العوامل المؤثرة فيها، وتحديد الفئات الأكثر عرضة للإصابة أو الوفاة. كما ساعدت الدراسات الوبائية في وضع السياسات المرورية، وتصميم برامج الوقاية، وتحسين أنظمة الاستجابة الطبية والإسعافية.

تشير العلاقة بين الصحة العامة والسلامة المرورية إلى التداخل بين الإجراءات الصحية الوقائية والتدابير المرورية الهادفة إلى تقليل الإصابات والوفيات الناتجة عن استخدام الطرق ووسائل النقل. فالصحة العامة تهتم بحماية المجتمع من المخاطر الصحية، بينما تركز السلامة المرورية على تقليل أخطار الحوادث والإصابات الناتجة عن المرور.

ومن هنا برز ما يُعرف بمفهوم وبائية الحوادث المرورية ويمثل دراسة أنماط الحوادث والإصابات والوفيات المرتبطة بالمرور والعوامل المحددة لها.

كما يهدف علم الوبائيات المرورية إلى تحديد حجم مشكلة الحوادث المرورية، التعرف على الفئات الأكثر عرضة للخطر، تحليل أسباب الحوادث والعوامل المرتبطة بها، تقييم فعالية التدخلات الوقائية، دعم التخطيط الصحي والمروري.

الجدير بالذكر أن كل ما ينطبق على علم الوبائيات بصورة عام يمكن تطبيقه على علم الوبائيات المرورية وعليه يمكننا الاستفادة من الدراسات الوبائية في وصف وتحليل الحوادت المرورية وما ينتج عنها من إصابات تتفاوت درجاتها ما بين الوخيمة والحادة والبسيطة والاعاقة وكذلك ما ينتج من تأثيرات نفسية وأخرى إجتماعية فضلاً عن حالات الوفيات الناجمة عنها. وفي الإطار يمكن الاستفادة من الدراسات الوصفية، الدراسات التحليلية – التي تبحث عن العلاقة بين عوامل الخطر والحوادث-، الدراسات التجريبية والتي تُستخدم لتقييم فعالية التدخلات على وبائيات الحوادت المرورية، مثل قوانين حزام الأمان، حملات التوعية، تحسين تصميم الطرق وغيرها.

تشير الدراسات الوبائية أن الشباب الذكور أكثر عرضة للحوادث، سائقي الدراجات النارية والمشاة من الفئات الهشة والأطفال وكبار السن أكثر عرضة للوفاة أو الإعاقة. تأتي أهمية علم الوبائيات المرورية في توفير البيانات العلمية الموثوقة التي تساعد البيانات في رصد زيادة أو انخفاض معدلات الحوادث، تقييم تأثير القوانين المرورية، متابعة تأثير التطور العمراني وزيادة المركبات وتقييم التدخلات الوقائية المتمثلة فى القوانين المنظمة لحركة المرور والتوعية والثقافة والمرورية.

إلى جانب آخر فإن البيئة تلعب دوراً محورياً في حدوث الحوادث المرورية، وتتمثل في حالة الطرق، سوء تصميم الطرق، ضيق الشوارع، غياب الإشارات المرورية، الحفر والتشققات، ضعف الإنارة الليلية. وتدخل فيها الظروف المناخية كالأمطار والسيول، الضباب، العواصف الرملية وارتفاع درجات الحرارة. تؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى ضعف الرؤية وزيادة احتمالية الانزلاق وفقدان السيطرة على المركبة. كذلك الأخذ في الاعتبار الكثافة المرورية.

وقد ترتبط العوامل السريرية والصحية ارتباطا عميقاً بالحوادث المرورية، هنا تكمن أهمية علم الوبائيات المرورية إذ لا بد من تكامل الجهود والأدوار بين السلطات الصحية والأجهزة المرورية. قد تزيد بعض الأمراض المزمنة كالسكري والصرع وأمراض القلب وغيرها من احتمالية الحوادث. وكذلك التعب والإجهاد، تعاطي الكحول والمخدرات، الضغوط النفسية. أضف إلى ذلك ضعف الوعي الصحي والمروري الذي يؤدي إلى ارتفاع السلوكيات الخطرة بين السائقين والمشاة.

بعد هذه السياحة العلمية حول إرتباط علوم الصحة العامة و الوبائيات بإدارة الحوادث المرورية، يتبادر إلى الأذهان سؤالاً كيف يعلب علم الوبائيات والصحة العامة دوراً محورياً في إدارة الحوادث المرورية؟ هذا ما نجيب عليه في المضمار اللاحق، إن شاء الله.

ختاماً، تمثل الحوادث المرورية تحدياً وعبئاً صحياً واجتماعياً واقتصادياً كبيراً، مما يجعل السلامة المرورية جزءاً لا يتجزأ من منظومة الصحة العامة. وقد أثبت علم الوبائيات فعاليته في دراسة الحوادث المرورية وتحليل العوامل المؤثرة فيها، مما ساعد على تطوير التدخلات الوقائية والسياسات الصحية والمرورية. كما أن فهم العوامل البيئية والسريرية والاجتماعية والسلوكية المرتبطة بالحوادث يُعد أساساً ضرورياً لتصميم برامج فعالة تقلل من معدلات الإصابات والوفيات. ويتطلب تحقيق السلامة المرورية تعاوناً تكاملياً بين القطاعات الصحية والهندسية والتعليمية والتشريعية، بهدف بناء بيئة مرورية آمنة تسهم في حماية صحة المجتمع وتحقيق التنمية المستدامة.

 

تحياتي وتقديري،،، لنا لقاء إن شاء الله

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ان الا إله إلا أنت استغفرك واتوب إليك

‫شاهد أيضًا‬

اهل الفزعة والنخوة  العمدة العوض كدودة         مثالا 

الحمد لله حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، الحمد لله على قضائه وقدره، له ما أعطى وله ما…