‫الرئيسية‬ مقالات جرأة الوصاية في الخطاب الأمريكي تجاه العراق
مقالات - يناير 31, 2026

جرأة الوصاية في الخطاب الأمريكي تجاه العراق

السفير/ رشاد فراج الطيب يكتب في العلاقات الدولية

جاء تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفضه ترشيح السيد نوري المالكي رئيسا للحكومة العراقية الجديدة عقب الانتخابات الأخيرة ، مهددا بعدم تقديم اي دعم للعراق اذا تم انتخابه ، زاعما ان العراق سيكون خاضعا لايران تحت ادارة المالكي وانه لن يخدم المصالح الوطنية العراقية !

 

وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد سبق رئيسه بتصريح مشابه ، قال فيه إن أي حكومة عراقية خاضعة لإيران « لن تستطيع وضع مصالح العراق أولاً أو تحقيق الاستقرار » !

 

في توقيت بالغ الدلالة ، متزامناً مع مشاورات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة عقب انتخابات نوفمبر 2025 .

 

التصريحات الامريكية تندرج في إطار تأكيد موقف واشنطن الداعي إلى قيام حكومة عراقية « تضع مصالح البلاد أولاً » وتعمل على الاستقرار الإقليمي والتعاون مع شركائها.

 

غير أن هذه التصريحات ، التي تبدو في ظاهرها نصحاً سياسياً ، تتجاوز في شكلها ومضمونها حدود اللباقة الدبلوماسية التقليدية ، وتعكس جرأة لافتة في ممارسة الوصاية السياسية والعجرفة ، وتكشف عن منطق أمريكي راسخ في التعاطي مع العراق بوصفه ساحة نفوذ لا دولة مكتملة السيادة .

 

فواشنطن ، التي تتحدث بثقة الوصي عن “ مصلحة الشعب العراقي ” ، تُعيد تعريف هذه المصلحة من زاوية الاصطفاف السياسي والخيارات الاستراتيجية ، لا من زاوية الإرادة الوطنية أو مخرجات العملية السياسية الداخلية ، مهما كانت تعقيداتها .

وتكشف التصريحات ، في عمقها ، عن تناقض بنيوي في الخطاب الأمريكي طالما لازم سياساتها في المنطقة .

 

فالولايات المتحدة ترفع شعار الديمقراطية واحترام خيارات الشعوب ، لكنها لا تتردد في الطعن في هذه الخيارات متى ما أفرزت قوى أو تحالفات لا تنسجم مع أولوياتها أو مع حسابات نفوذها الإقليمي .

 

وهكذا تتحول “مصلحة الشعب” إلى مفهوم انتقائي ، يُستدعى لتبرير الضغط والتدخل ، لا لاحترام السيادة أو تمكين القرار الوطني .

 

وتزداد المفارقة وضوحاً حين يصدر هذا الخطاب عن الرئيس ووزير خارجيته في إدارة يُنظر إليها ، على نطاق واسع ، باعتبارها خاضعة هي نفسها لتأثير مصالح دولة أجنبية هي إسرائيل .

 

فحجم النفوذ الإسرائيلي في دوائر صنع القرار الأمريكي لم يعد محل جدل جدي ، بل بات حقيقة تناقشها النخب السياسية والفكرية ودافعو الضرائب في الولايات المتحدة نفسها .

 

وقد أظهرت العقود الأخيرة أن كثيراً من سياسات واشنطن في الشرق الأوسط ، من العراق إلى إيران ، ومن فلسطين إلى سوريا ، تُصاغ أو تُعدَّل بما يراعي الرؤية الإسرائيلية ، حتى عندما يتعارض ذلك مع القانون الدولي أو مع استقرار المنطقة أو حتى مع المصالح الأمريكية بعيدة المدى .

 

في هذا السياق ، تبدو المواعظ الامريكية للعراقيين مثالاً صارخاً على ازدواجية المعايير وفقدان الصدقية .

 

فالتبعية تُدان عندما تكون لطرف تُصنِّفه واشنطن خصماً ، لكنها تُبرَّر أو يُغض الطرف عنها عندما تكون مرتبطة بحليف استراتيجي .

 

وهكذا يُعاد تعريف مفاهيم السيادة والاستقلال والديمقراطية تعريفاً وظيفياً ، يخدم معادلات الهيمنة لا القيم التي يجري الترويج لها في الخطاب الرسمي .

 

كما تعكس التصريحات استمرار النظر إلى العراق باعتباره ملفاً أمنياً وساحة صراع نفوذ ، لا دولة لها خصوصيتها وتوازناتها الوطنية.

 

فبدلاً من تشجيع قيام حكومة عراقية متوازنة ، تستند إلى شرعية داخلية ، وتُحسن إدارة علاقاتها الخارجية على قاعدة المصالح المتبادلة ، تُطرح معادلة تبسيطية ومضللة ، إما حكومة “ مقبولة أمريكياً ” أو حكومة “ لا تخدم شعبها ” .

 

وهي معادلة تتجاهل تعقيدات المشهد العراقي ، وتُغذي الانقسام الداخلي ، وتُبقي البلاد رهينة للتجاذبات الإقليمية والدولية.

 

إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يكتفي بإضعاف مفهوم السيادة ، بل يُسهم في ترسيخ نموذج دولي مختل ، تُمارَس فيه الوصاية باسم الديمقراطية ، ويُدان الخضوع عند الخصوم ، ويُتسامح معه عند الحلفاء .

 

أما المصلحة الحقيقية للشعب العراقي ، فلا تتحقق باستبدال تبعية بأخرى ، ولا بالارتهان لصراعات الآخرين ، بل ببناء دولة قادرة على اتخاذ قرارها الوطني المستقل ، ومحاسبة كل نفوذ خارجي – أمريكياً كان أو إيرانياً أو غيرهما – بميزان المصلحة العراقية وحدها .

 

وفي المحصلة ، فإن جرأة الوصاية في الخطاب الأمريكي تجاه العراق لا تعكس قوة أخلاقية ولا حرصاً حقيقياً على استقرار البلاد ، بقدر ما تكشف أزمة عميقة في منطق الهيمنة وازدواجية المعايير وتجاهل قواعد القانون الدولي .

‫شاهد أيضًا‬

الفور وعبرة طائر “الدودو”

في سِجلَّاتِ النُّشوءِ والارتقاء، لم تكن مأساةُ “طائرِ الدُّودو” مجردَ فاجعةٍ …