‫الرئيسية‬ مقالات أزمة الثقة وصعود الشعبوية: حين تتحول الفضيحة إلى وقود سياسي
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

أزمة الثقة وصعود الشعبوية: حين تتحول الفضيحة إلى وقود سياسي

ميرغنى الحبر المحامي

إذا كان تأخر العدالة أمام النفوذ يزرع الشك، فإن تكرار الشك يحوّله إلى مزاج عام.

وهنا تنتقل الأزمة من دائرة القضاء إلى ساحة السياسة، ومن سؤال قانوني إلى سؤال هوية وانتماء.

قضية جيفري إبستين لم تبقَ في حدود ملف جنائي؛ بل أصبحت مادة خطابية تتنازعها السرديات. فكل معسكر قرأها بما يخدم رؤيته المسبقة عن فساد النخب أو تآمر الخصوم. وفي هذه اللحظة تحديداً تبدأ الشعبوية في التمدد.

*من الشك إلى الغضب* :

الثقة هي العمود الفقري الذي تقوم عليه الأنظمة الحديثة.

عندما يثق المواطن في القضاء، يتقبل قراراته حتى لو خالفت ميوله.

وعندما يثق في الإعلام، يميّز بين الخبر والتحريض.

لكن حين تتراكم الشبهات حول النخبة — سواء ثبتت كلها أو بعضها — يتولد شعور بأن النظام لا يعمل بالتساوي. هذا الشعور لا يبقى محايداً؛ بل يتحول إلى غضب سياسي يبحث عن من يعبّر عنه.

وهنا تظهر الشعبوية بوصفها خطاباً بسيطاً ومباشراً:

“النخبة فاسدة”

“المؤسسات منحازة”

“الشعب وحده مصدر الحقيقة”

*تسييس الأخلاق*

في مناخ الاستقطاب، لا تعود الفضيحة واقعة أخلاقية مشتركة التعريف ، بل تصبح سلاحاً.

فأنصار تيارات ارتبطت بشخصيات مثل دونالد ترامب يرون في مثل هذه القضايا دليلاً على فساد “المؤسسة التقليدية”، بينما تستعمل أحزاب أوروبية كـ حزب البديل من أجل ألمانيا والتجمع الوطني خطاباً مشابهاً لتأكيد فكرة الانفصال بين الشعب والنخبة.

المشكلة هنا ليست في النقد — فالنقد ضرورة صحية —

بل في تحوّل الأخلاق إلى أداة تعبئة انتخابية.

عندها لا يُبحث عن الحقيقة بقدر ما يُبحث عن مكسب سردي.

*الاستقطاب كمرحلة حضارية*

التاريخ يُظهر أن المجتمعات تمر بلحظات يفقد فيها المركز توازنه، فينشأ استقطاب حاد بين أطراف متعارضة.

وفي هذه اللحظات تصبح الثقة بالمؤسسات أضعف من الثقة بالزعيم أو الجماعة.

إذا كانت الفضيحة تكشف خللاً، فإن الاستقطاب يمنع إصلاحه؛ لأنه يعيد تفسير كل خطوة بوصفها مؤامرة أو انتقاماً سياسياً. وهكذا يدخل المجتمع دائرة مغلقة:

•فضيحة تولد شكاً

•الشك يولد غضباً

•الغضب يولد شعبوية

•الشعبوية تعمق الشك في المؤسسات

*بين التصحيح والانزلاق*

لا يعني صعود الشعبوية أن الانحدار حتمي؛ فبعض الأزمات تدفع المجتمعات إلى إعادة تعريف قواعدها وتحصين مؤسساتها. لكن الخطر يكمن حين يُستبدل الإصلاح بالخطاب الديماغوجي، والحقيقة بالشعار الاجوف.

الحضارات لا تضعف بسبب وجود معارضة غاضبة،

بل حين تفقد القدرة على إنتاج أرضية مشتركة تُحتكم إليها الخلافات.

*خاتمة*

أزمة الثقة أخطر من الفضيحة نفسها؛ لأنها تمس الرابط الذي يجمع المجتمع بمؤسساته.

فإن أُعيد بناء هذا الرابط عبر شفافية ومحاسبة متوازنة، تحولت الأزمة إلى لحظة مراجعة.

وإن تُركت لتغذي الانقسام، أصبحت خطوة إضافية في مسار التآكل البطيء.

وفي المقال القادم نعود خطوة إلى الوراء لنسأل:

كيف تعاملت الحضارات السابقة مع لحظات مشابهة من فقدان الثقة؟ وهل كان الاستقطاب دائماً مقدمة للسقوط؟

وعلى توفيقه نستمر.

‫شاهد أيضًا‬

رمضان شهر تجديد خلايا الجسم وعافية الجسد

المعلوم أن الغاية الأولى من الصيام التقوى كما ورد في آية الصيام، ومعلوم أن العبادات كلها ذ…