قراءة استراتيجية في “اعترافات” مؤسس اعلام الدعم السريع

حينما يتحدث “التقني” في غرف العمليات، تسكت لغة الشعارات العاطفية وتبدأ لغة الحقائق العارية. ما أدلى به الأستاذ محمد عثمان، المستشار السابق للإدارة الفنية لإعلام الدعم السريع، في حواره الأخير، لم يكن مجرد “بوح” سياسي أو نكاية في رفاق الأمس، بل كان “تفكيكاً استراتيجياً” لآلة حرب صُممت بعناية فائقة لابتلاع الدولة السودانية وهدم هيكلها العظمي. نحن هنا لا نقرأ في “تاريخ” الميليشيا، بل نقوم بعملية “تشريح” لجثة مشروع كان يهدف لتحويل الخرطوم إلى مجرد “منصة انطلاق” لأجندات عابرة للحدود.
أولاً: الخلل الهيكلي.. “التشويه” كاستراتيجية بناء
يرى عثمان بوضوح أن بذرة “التمرد” غُرست مع الطلقة الأولى لتكوين هذه القوة. بدأت الحكاية بـ “تشويه” متعمد في النظم العسكرية؛ حيث تم حشد آلاف العناصر من لون جغرافي واجتماعي واحد، متجاوزين كل ضوابط الكلية الحربية السودانية وأعراف الجندية (p. 1). هذا الحشد لم يكن الغرض منه بناء قوة رديفة للجيش، بل كان خلق “حاضنة مسلحة” تدين بالولاء لـ “القبيلة” و”الأسرة” قبل “العلم”. الدولة، في محاولتها لترميم هذا الصدع، أرسلت ضباطاً من الجيش والشرطة، لكن “الجسم الغريب” داخل الميليشيا كان يقاوم أي عملية “سودنة” أو انضباط مؤسسي، مفضلاً البقاء في منطقة “السيولة النظامية” التي تتيح له التمدد السرطاني بعيداً عن أعين القانون (p. 2).
ثانياً: “الكيان”.. الغرفة المظلمة لاتخاذ القرار
هنا نصل إلى “بيت القصيد” في إفادات عثمان. هناك هيكلان للدعم السريع: هيكل “ظاهري” يرتدي الكاكي ويتحدث عن الديمقراطية والتحول المدني، وهيكل “باطني” سري يُعرف بـ “الكيان”. هذا التنظيم المحصور في “آل دقلو” هو الذي يدير المال، والسلاح، والولاءات. هو الذي يقرر متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي، وهو الذي يملك السلطة الفعلية فوق رتب “اللواءات” و”العمداء” المنتدبين. الكشف عن وجود “الكيان” يفسر لنا لماذا فشلت كل محاولات “الدمج”؛ لأنك ببساطة لا تستطيع دمج “شركة أسرية خاصة” داخل “مؤسسة وطنية عامة”. “الكيان” كان وما زال يرى في السودان “ضيعة” خاصة، وفي جيشه “عقبة” يجب إزاحتها.
ثالثاً: حرب “الترانزستور” والذكاء الاصطناعي الموجه
في المحور التقني، كشف عثمان عن وجه مرعب للميليشيا. الإعلام لم يكن “كاميرا ومايكروفون”، بل كان “مركزاً لتقانة المعلومات والتطوير” يدار بعقليات استخباراتية إقليمية. الصفقات التي كان يبرمها “القوني حمدان” من دبي لم تكن لشراء كاميرات تصوير، بل كانت لاستجلاب تقنيات “حروب الجيل الخامس والسادس والسابع” (p. 3). نحن نتحدث عن وحدات متخصصة في صناعة الشائعات، ووحدات أخرى لمكافحتها، وإدارة متقدمة للحرب النفسية تهدف لكسر معنويات الشعب السوداني قبل جيشه. هذا “الجيش الرقمي” الموازي كان يتدرب في الخارج وعلى يد شركات أجنبية غالية الثمن، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: من الذي يمول بناء ترسانة “سيبرانية” بهذا الحجم لقوة يُفترض أنها “قوات أمنية” داخلية؟
رابعاً: “التبعية” السياسية.. حين يصبح السياسي “موظفاً” عند الميليشيا
التحليل الاستراتيجي لإفادات عثمان يقودنا إلى مربع “الاتفاق الإطاري”. يصف الضيف بمرارة كيف تحول بعض السياسيين (ياسر عرمان، خالد سلك، طه عثمان) إلى “أدوات وظيفية” داخل مكتب الميليشيا (p. 5). لم يكن “الإطاري” مشروعاً للتحول المدني، بل كان “غطاءً سياسياً” لعملية الانقلاب الكبرى. عثمان كشف أن “حمدوك” نفسه كان يدير إدارة أفريقية في مركز دراسات إماراتي، مما يربط خيوط اللعبة ببعضها. الهدف كان تحويل الدعم السريع من “قوة تابعة” للجيش إلى “بديل” له، تحت مسمى “دمج الجيش فينا” وليس العكس. هذه هي اللحظة التي أدركت فيها الميليشيا أن “الشرعية السياسية” يمكن شراؤها بالمال كما تُشترى البنادق.
خامساً: هندسة “ساعة الصفر”.. التخزين في أحشاء المدنيين
لقد فضح عثمان رواية “الطلقة الأولى” التي روج لها إعلام الميليشيا. الوقائع تؤكد أن “النية كانت مبيتة”. تسليح عناصر “الكيان” ليلة الجمعة، وتحريك القوات نحو مروي والأبيض دون علم القيادة العامة، وتخزين السلاح في “بدرومات” المنازل المدنية في الخرطوم قبل 15 أبريل بأسابيع؛ كل هذه شواهد على أننا كنا أمام “انقلاب شامل” فشل في ساعاته الأولى فتحول إلى “حرب استنزاف” ضد المواطن (p. 6). الميليشيا استخدمت “بيوت الناس” كمخازن بارود قبل الحرب، واستخدمتها كـ “ثكنات” و”دروع بشرية” بعدها، في أكبر جريمة أخلاقية وعسكرية يشهدها التاريخ الحديث.
سادساً: “المرتزقة التقنيين”.. حين تنهار القوة الصلبة
في الخواتيم، أشار عثمان إلى حقيقة عسكرية هامة: “القوة الصلبة” للميليشيا انتهت في الأشهر الأولى بفضل ضربات القوات المسلحة. ما يقاتل اليوم هو “خليط” من المرتزقة؛ ليس فقط “الشفشافة” العابرين للحدود، بل “مرتزقة تقنيين” من أوكرانيا وسوريا يديرون غرف المسيرات والحرب الإلكترونية (p. 7). هؤلاء هم من فتحوا خزن البنوك وبوابات القصور باستخدام تقنيات “البصمة” والخداع الإلكتروني. الميليشيا اليوم فقدت “السيطرة والقيادة” المحلية، وأصبحت تدار مباشرة من “غرف عمليات” في أبوظبي، مما يجعلها “بندقية للإيجار” بالمعنى الحرفي للكلمة، تخدم أجندة تهدف للسيطرة على الموانئ السودانية والبحر الأحمر ومنطقة البحيرات الأفريقية (p. 8).
كلمة أخيرة:
إن إفادات محمد عثمان هي “شهادة من أهلها”، وهي تضع المجتمع الدولي والإقليمي أمام مرآة الحقيقة. نحن لا نواجه “حركة تمرد” تطالب بحقوق سياسية، بل نواجه “كياناً أسرياً” عابراً للحدود، ارتهن للخارج، واستخدم التقانة والسياسة والمال لتمزيق النسيج الوطني. الطريق إلى السلام لا يمر عبر “التفاوض” مع هذا الكيان المسرطن، بل عبر “استئصاله” وتجفيف منابع تمويله واسترداد الدولة من قبضة “الأسرة” لصالح “الوطن”.
القاهرة تلوح بالعقوبات لاعودة لمن يشارك في اجتماع جنيف السوداني
كشفت مصادر سياسية في القاهرة بحسب موقع سودان تربيون عن أن السلطات المصرية حذرت قادة…










