‫الرئيسية‬ مقالات نتوقف ونتدبر معا اليوم هذه الآيات الكريمات من سورة الاحقاف
مقالات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

نتوقف ونتدبر معا اليوم هذه الآيات الكريمات من سورة الاحقاف

وقفات، وتدبرات قرآنية  99/2 عادل عسوم

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14)} الأحقاف

الدّين -أي دين كان- هو اقتناع، ثم قبول وتصديق، ثم تسليم وإيمان، ومن بعد ذلك تأتي العبادات.

انظروا إلى ابتدار الآيات، البداية هي توحيد الله والشهادة بكونه -تعالى- الرب والإله، وبالتالي من حقه تعالى التشريع والأمر والنهي، وهذا كان المنهج الاسلامي وقوام الدعوة في مكة، وطوال عشر سنوات لم يكن المسلمين يؤدون خلالها لا صلاة ولا زكاة ولا صيام ولاحج، وعليه فإن الإستقامة المعنية والمذكورة في الآية الأولى هي الاستمساك بتوحيد الله جل في علاه.

عن أنس بن مالك قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا…} قالها أناس ثم كفر أكثرهم، فمن قالها حتى يموت فقد استقام عليها.

انتهى الحديث.

ولكن الاستقامة على عمومها تحتاج إلى مايعين النفس والجسد من شعائر وعبادات تجعل القلب والوجدان حاضرا، لذلك عندما نتدبر كلمة (ثم)، نجدها وكأنها توحي بمرحلة أخرى ستأتي، فيها اضافة وتفاصيل، وقد كانت تلاوة القرآن في الفترة المكية الأولى هي العبادة الوحيدة المتاحة للمسلم الجديد، والدليل أن الله تعالى أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بقيام الليل بالتلاوة فيه وكذلك طائفة من الذين معه، والطائفة في اللغة الجزء من الشي، او هي قلة من الناس، فقد كان غالب الصحابة أميون لايقرأون، وكان قيام الليل خالي حينها من الصلاة، وقاصر على تلاوة القرآن، والتلاوة تستلزم وجود من يقرأ ليستمع ثم يردد بعده البقية، ولم يكن حفاظ القرآن كثر حينها، وبالتالي يصعب قيام الليل لغالب الصحابة، اذ القيام معهود عنه أنه عبادة (بيتية).

وبدأت الاستقامة الحقة تتحقق بعد اكثر من عشر سنوات من الدعوة في مكة، وذلك عندما فرضت الصلاة خلال عروج نبينا صلى الله عليه وسلم إلى السماء، ثم تتالت بقية الشعائر والعبادات من بعد الهجرة، حيث فرض الصيام في العام الثاني من الهجرة، وانزل الله تفاصيل الزكاة ومصارفها كذلك في المدينة المنورة، ثم الحج في السنة التاسعة من الهجرة الشريفة، وقد انزلت أول آية في تحريم الربا خلال فترة الدعوة المكية، قال تعالى في سورة الروم: {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ…} 39، والربا لاعلاقة له بالشعائر التعبدية، انما موصول بالمعاملات، فهو شأن اقتصادي مالي بحت، وقد كان غضب الله تعالى في شأن الربا من الشدة حد اعلان الحرب على العباد، وما أدراك ماحرب الله!

وللعلم فإن الله لم يعلن الله تعالى على العباد في شأن يلي ترك شعيرة من الشعائر أو أيما عبادة إن كانت صلاة أو صياما أو حجا مع عظم شأنه‍ا جميعا، انما اعلن حربه على العباد في شأن يخص المعاملات في ثنايا (نظام اقتصادي) ينبغي الايمان به بذات رسوخ ايماننا بصيام رمضان والصلاة وبقية الشعائر، بل أكثر.

فإن كان فقهاء الاسلام أجمعوا على مروق تارك الصلاة (الجاحد) بها عن الدين؛ فإن عدم الإيمان بحرمة الربا ضمن برنامج اقتصادي وضع اطاره العام رب الأرباب وفصلته سنة نبينا صلى الله عليه وسلم لأأكد.

وعليه فإن الذين يدعون إلى فصل الدين وحصره في الشعائر التعبدية باعتباره- كما يقولون- علاقة (فردية) وشخصية فقط مع الله؛ لايتبينون أنهم يناصبون الله العداء، فالداعي إلى فصل الدين يرفض الائتمار بما شرعه الله في شأن المعاملات (اقتصادية وسياسية واجتماعية)، وبذلك لاتستقيم شهادته بأن (لا إله إلا الله)، فإن الله الذي شرع وكتب لنا الصيام هو ذات الله الأحد الصمد الذي حرم الربا، وتوحيده يستلزم الايمان بكل الكتاب لا الايمان ببعضه ورفض بعضه:

{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} البقرة 85

ولعمري ان ترك الصلاة جحودا لايختلف في شئ عن ترك تحريم الربا في الاقتصاد، وكذلك ترك الشورى في منهج الاسلام السياسي، وكذلك فإن المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة والتي يسعى إليها اليسار والعلمانيون لرفض صريح لما شرعه الله في كتابه الكريم في ثنايا آيات المواريث، دعك عن رفض الدين (في عضمو) كمصدر للتشريع في كل وثائق القحاطة التي يسمونها دستورية،

لذلك علينا يا احباب أن ننتبه لفهمنا للإسلام، فأيما دين هو اقتناع ثم قبول وتصديق ثم تسليم وإيمان، ومن بعد ذلك تأتي الاستقامة التي تعين عليها العبادات.

وكمان اسبقت فقد خلا الاسلام الذي ظل يدعو إليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أهل مكة عن أي شعيرة تعبدية طوال اكثر من عشر سنوات قبل أن يأذن الله تعالى له بالهجرة إلى المدينة، حيث فرض الصيام بعد الهجرة الشريفة بعامين، والحج كذلك لم يفرض إلا في السنة التاسعة أو العاشرة بعد الهجرة، اما الصلاة؛ فقد فرضت قبيل الهجرة بحوالي العام وخمسة أشهر فقط، وكذلك (أصل) الزكاة، عدا انصبتها وتفاصيلها فقد فرضت أيضا بعد الهجرة الشريفة، وعليه فإن الاسلام الذي كان يدعو إليه نبي الاسلام صلى الله عليه وسلم الناس في مكة لم تكن فيه صلاة ولاصيام ولازكاة ولاحج.

لقد كان المرتكز الأساس للدعوة للاسلام حينها (توحيد الله سبحانه وتعالى)، والتوحيد لا يعني عدم عبادة صنم مصنوع من العجوة أو الحجر أو الخشب، انما هو (يقين) بأن (لا إله إلا الله)، وهذه الشهادة ليست مجرد كلام يقال والسلام، انما (تجرد وترك) لكل فكر ومنهج لأيما حراك حياتي مأخوذ من أي فكر او حضارة أو فرد سبق، والتسليم (التام) بما يشرعه الله بعد الإيمان الراسخ بأنه لا إله معه، ولا شريك يقاسمه الأمر والنهي والتشريع.

والذي يشهد بأن لا إله إلا الله يجب عليه معرفة تفاصيل الدين الذي أسلم له قواده، بدءا من حل وحرمة طعامه وشرابه، وسمات الزوجة التي سيتزوج بها، والنساء اللاتي يحللن له، ويعرف كذلك ماذا قال هذا الدين عن كيفية تربية أولاده، وماهو منهج الاسلام في الاقتصاد الذي يدير على هداه ماله، وماذا وضع هذا الدين من ضوابط لسياسة الحكم، ثم ماذا شرع الله من عقوبات وحدود لضمان أمن الناس وسلامهم.

الخلاصة:

كل الشعائر والعبادات يجب أن تسبقها معرفة ويقين بشهادة ان (لا إله إلا الله)، ويتمثل ذلك في الايمان الحق بأن الله له حق الأمر والنهي والتشريع، وانك طالما أسلمت؛ عليك الاستسلام واليقين حقا بما طلبه الله منك، وإلا؛ فلن يفيدك صيامك ولا صلاتك ولازكاتك ولاحجك، اذ سيحيق بك -والعياذ بالله- مفاد الآية الكريمة:

{وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا} الفرقان 23

إن الله يشير هنا في هذه الآية الكريمة إلى الذين يعملون الكثير من أعمال الخير، لكنهم لايفهمون ولايؤمنون بالشهادة حق الأيمان بها، وهناك كذلك الملحدون في أقوام أخرى، كل هؤلاء سيقدم الله إلى أعمالهم ويجعلها هباء منثورا، ومصير صاحبها معروف، فالتعويل عند الله ليس باعمال الخير وان تبنيت وصرفت على الآلاف من الأيتام، او صرف على المئات من الأسر الفقيرة، انما التعويل على ايمانك الحق بأن لا معبود بحق إلا الله، ولامشرع لأيما حراك حياتي إلا هو وحده لاشريك له، فانتبه لنفسك كي تجعل من عباداتك وشعائرك مقبولة عند الله.

اللهم اهدنا الصراط المستقيم، وزين قلوبنا ووجداننا بالايمان بك وحسن توحيدك، واعنا واستعملنا في طاعتك يارحمن يارحيم

آمنت بالله.

adilassoom@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

السودان الآن: قراءة تحليلية معمّقة في قلب الأزمة

ما يعيشه السودان اليوم ليس مجرد أزمة عابرة أو حرب تقليدية بين طرفين، بل هو انهيار مركّب لل…