‫الرئيسية‬ مقالات الكرمك.. تآمر الأحلاف وتراكم الاستهداف
مقالات - ‫‫‫‏‫يومين مضت‬

الكرمك.. تآمر الأحلاف وتراكم الاستهداف

الطيب قسم السيد

​الطيب قسم السيد

​الكرمك.. تآمر الأحلاف وتراكم الاستهداف

​■ في أواخر شهر أكتوبر من العام 1987م، سقطت مدينة الكرمك في أيدي قوات الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق، إبان فترة الديمقراطية الثالثة التي أعقبت حكم المشير جعفر محمد نميري. كان ذلك السقوط جرحاً غائراً في خاصرة الوطن، نزح على إثره أهل المدينة وتخومها إلى مدينة الدمازين، حيث توزعت مآسي اللجوء في معسكرات النزوح وستاد المدينة الذي احتضن الفارين من جحيم التمرد.

​■ شاءت الأقدار وقتها أن يصدر قرار بانتدابي من الإذاعة السودانية إلى إذاعة الإقليم الأوسط بود مدني. استدعاني حينها الإذاعي القدير الأستاذ محمد سليمان بشير، مدير عام الإذاعة، ليبلغني بمحتوى القرار ومقصده قبل صدوره رسمياً. ورغم التردد الذي انتابني في البداية، إلا أن القرار صادف ظرفاً أسرياً خاصاً، إذ كنت عائداً للتو من مسقط رأسي بالجزيرة بعد انقضاء إجازة زواجي.

​■ تزامن ذلك الزواج في النصف الثاني من عام 1987م مع بداية الربع الأخير الذي شهد انسحاب الجيش السوداني من مدينة الكرمك واحتلالها من قبل الحركة الشعبية، وتبع ذلك سقوط مدينة قيسان. كانت الأجواء مشحونة بالقلق والترقب، والوطن يترنح تحت وطأة الصراعات السياسية والضغوط العسكرية المتزايدة على أطرافه الشرقية والجنوبية في ظل تكالب القوى الإقليمية.

​■ عند وصولي إلى “ود مدني” والتحاقي بالفريق المؤسس لإذاعتها بقيادة المهندس صلاح طه إسماعيل، ألفيت المدينة تعيش حراكاً دائباً واستنفاراً شعبياً واسعاً. تسابقت قطاعات المواطنين وأحزابهم لتأكيد مؤازرة الجيش السوداني في معركته لاستعادة المدينتين الغاليتين الكرمك وقيسان، وكان صدى الاستنكار الشعبي يملأ الأرجاء، مجسداً تلاحم الجبهة الداخلية خلف القوات المسلحة.

​■ وعلى الصعيد الإعلامي، اتخذت إدارة إعلام الإقليم الأوسط قراراً تاريخياً بتشكيل بعثة إعلامية حربية بقيادة الأستاذ عبد الحليم سر الختم. ضمت البعثة كوكبة من المهنيين، منهم المصور التلفزيوني عبد الكريم عوض، والفوتوغرافي أزهري حسين، والمحرر بـ “سونا” أحمد محمد السنوسي، والسائق الطيب الأمين، وشخصي الضعيف ممثلاً للإذاعة، ثم لحق بنا فني الصوت علي الحسن يونس.

​■ تحركنا من ود مدني متوجهين إلى الدمازين التي وصلناها في مساء السابع من نوفمبر 1987م. استقبلنا هناك المدير التنفيذي، الإداري الحصيف “بشرى”، الذي قدم لنا تنويراً ضافياً عن حجم النزوح المأساوي والحالة النفسية المتردية التي خلفتها أكاذيب إذاعة الحركة الشعبية، والتي كانت تبث سمومها من أديس أبابا، عاصمة الجارة التي أدمنت التآمر على استقرار السودان.

​■ علمنا حينها أن أعداداً كبيرة من أهل الدمازين قد غادروها تحت وطأة التهديدات التي أطلقها قائد الحركة الشعبية، حيث أعلن بصلف أنه سيجتاح مدن الوسط مروراً بسنار وود مدني وصولاً إلى الخرطوم وشندي، متوعداً بشرب القهوة في “المتمة”. كانت الحرب النفسية في أوجها، تهدف إلى كسر إرادة الشعب وتسهيل مهمة القوات المتمردة في التمدد شمالاً.

​■ كانت وجهتنا الميدانية تهدف إلى كشف الحقائق ودحض الافتراءات، وتوثيق بطولات الجندي السوداني الذي كان يقاتل في ظروف بالغة التعقيد. لقد كانت “الكرمك” دائماً هي الترمومتر الذي يقيس مدى الاستهداف الإقليمي للسودان، ومسرحاً تتداخل فيه المصالح الدولية مع الطموحات المحلية المتمردة، مما جعل من قضية استردادها معركة وجودية لا تقبل القسمة على اثنين.

​■ إن الذاكرة الوطنية لا تنسى تلك الأيام التي اختبرت معدن السودانيين، فبرغم مرارة السقوط المؤقت، إلا أن روح المقاومة كانت تشتعل في النفوس. الدروس المستفادة من تاريخ الكرمك تؤكد أن التآمر مهما عظم، تظل إرادة التحرير هي الأقوى، وأن استغلال الجيران لظروفنا الداخلية هو رهان خاسر أمام صمود المقاتل السوداني وتمسكه بتراب وطنه.

​■ ختاماً، يظل تاريخ الكرمك شاهداً على تراكم الاستهداف، ولكنه أيضاً شاهد على قدرة القوات المسلحة على النهوض من كبواتها. فالمعارك التي خضناها بالأمس هي ذاتها التي تتكرر اليوم بأقنعة مختلفة، واليقين يظل ثابتاً بأن الأرض التي ارتوت بدماء الشهداء ستظل حرة أبية، وأن أحلام المتربصين بشرب القهوة في مدننا ستظل مجرد أوهام تذروها الرياح.

‫شاهد أيضًا‬

خمشة كبيرة وجقمة مانعة 

استمعت في واحدة من المحليات إلي ونسة بين بعض موظفات الرعاية الاجتماعية ملخص الحكاية أن الم…