‫الرئيسية‬ مقالات أبوظبي والمليشيات: رحلة في دهاليز السياسة المظلمة   الحلقة الخامسة: دفع الأثمان الباهظة
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

أبوظبي والمليشيات: رحلة في دهاليز السياسة المظلمة   الحلقة الخامسة: دفع الأثمان الباهظة

نقطة ارتكاز   د. جادالله فضل المولى

تكشف الأثمان الباهظة لهذه السياسات عن وجهها القاتم الذي لا يمكن إخفاؤه مهما حاولت أبوظبي أن تزين تدخلاتها بشعارات براقة أو تبريرات واهية، فليس السودان وحده من يتضرر بل المنطقة كلها، إذ إن دعم المليشيات لا يعني سوى إطالة أمد الحروب وتعطيل مشاريع التنمية وخلق موجات من اللاجئين والنازحين وزيادة معدلات الفقر والجوع، كما أنه يفتح الباب أمام تدخلات دولية جديدة ويجعل المنطقة رهينة لصراعات لا تنتهي، فحين ينهار السودان أو يغرق في الفوضى فإن ذلك ينعكس على جواره ويؤثر على الأمن الإقليمي ويجعل الدول المحيطة به في حالة استنزاف دائم، وكل ذلك بسبب حسابات ضيقة ورغبة في النفوذ لا تراعي مصالح الشعوب ولا تحترم حقها في الاستقرار

 

إنّ الأثمان التي يدفعها السودان اليوم هي أثمان جسيمة، أثمان تُقاس بالدماء التي تسيل في الشوارع والقرى، بالمدن التي تتحول إلى أنقاض، بالاقتصاد الذي ينهار يوماً بعد يوم، بالمدارس التي تغلق أبوابها، بالمستشفيات التي تعجز عن استقبال المرضى، بالحقول التي تُترك قاحلة، بالآمال التي تتبخر في صدور الشباب، كل ذلك نتيجة تدخلات خارجية ترى في السودان مجرد ورقة تفاوضية أو ساحة لتصفية الحسابات، لكن الحقيقة أن السودان ليس ورقة ولا ساحة بل بلد له شعب يستحق الحياة الكريمة وله تاريخ يستحق الاحترام وله مستقبل يجب أن يُبنى على التنمية لا على الفوضى

 

إنّ الأثمان الباهظة لا يدفعها السودان فحسب بل تمتد إلى المنطقة كلها، فحين ينهار السودان فإن موجات اللاجئين تتدفق إلى دول الجوار، وحين يغرق السودان في الفوضى فإن الإرهاب يجد أرضاً خصبة لينمو، وحين تتعطل التنمية في السودان فإن الأسواق الإقليمية تتأثر، وحين تُستنزف موارد السودان فإن الأمن الغذائي في المنطقة يتعرض للخطر، وحين تُراق دماء السودانيين فإن صورة المنطقة أمام العالم تصبح صورة قاتمة، صورة منطقة لا تعرف الاستقرار ولا تحترم حقوق الإنسان، وكل ذلك بسبب سياسات أبوظبي الرعناء التي اختارت أن تدعم المليشيات بدل أن تدعم التنمية، أن تغذي الفوضى بدل أن تبني الاستقرار، أن تبحث عن النفوذ عبر الدماء بدل أن تبحث عنه عبر التعاون.

 

إنّ الأثمان الباهظة لهذه السياسات هي أثمان أخلاقية أيضاً، إذ إن دعم المليشيات يعني الوقوف في صف من يعبث بمصائر الشعوب، يعني المشاركة في جرائم ضد الإنسانية، يعني التورط في إشعال حروب لا تنتهي، يعني أن تكون جزءاً من مشروع تخريبي لا يعرف الرحمة، وهذا الثمن الأخلاقي هو ثمن لا يمكن محوه ولا يمكن التهرب منه، لأن التاريخ يسجل، والشعوب لا تنسى، والدماء لا تُمحى، والفوضى لا تتحول إلى استقرار، بل تظل لعنة تطارد من أشعلها.

 

إنّ الأثمان الباهظة لهذه السياسات تجعل أبوظبي في مواجهة مع نفسها قبل أن تكون في مواجهة مع الآخرين، تجعلها في مواجهة مع صورتها أمام العالم، تجعلها في مواجهة مع شعوب المنطقة، تجعلها في مواجهة مع التاريخ، وتجعلها في مواجهة مع الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، وهي أن النفوذ الحقيقي لا يُبنى على أنقاض الدول ولا على دماء الشعوب، بل يُبنى على التعاون والتنمية والاستقرار، وأن من يختار طريق المليشيات والفوضى إنما يختار طريقاً يقوده إلى العزلة والعداء والخسارة.

 

إنّ اللحظة قد حانت لأبوظبي أن تدرك أن الأثمان الباهظة لا يدفعها السودان وحده بل تدفعها المنطقة كلها، أن تفهم أن ما تفعله لا يجلب لها سوى الكراهية والعداء، أن تعي أن دعم المليشيات لن يمنحها النفوذ بل سيمنحها العزلة، أن تفوق من غفلتها قبل أن يفوت الأوان، لأن الشعوب لا تنسى، والتاريخ لا يرحم، والفوضى لا تتحول إلى استقرار، بل تظل لعنة تطارد من أشعلها، ولعل أبوظبي إن أرادت أن تكون قوة حقيقية فعليها أن تختار طريقاً آخر، طريقاً يقوم على البناء لا على الهدم، على التنمية لا على الفوضى، على التعاون لا على المليشيات، على الاستقرار لا على الصراع، وإلا فإن الأثمان الباهظة ستظل تتضاعف حتى تغرق المنطقة كلها في دوامة لا خروج منها.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

بروف مضوي الصندوق القومي لرعاية الطلاب ركيزة أساسية للتعليم العالي 

قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي ، بروفيسور أحمد مضوي موسى ، أن الصندوق القومي لرعاية…