‫الرئيسية‬ مقالات أغوار وأسرار الشخصية السودانية (9-10)
مقالات - ‫‫‫‏‫8 ساعات مضت‬

أغوار وأسرار الشخصية السودانية (9-10)

حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام

من المؤسسات التي أسهمت في تكوين الشخصية السودانية، وكان لها الدور الكبير في صقل الكوادر الوطنية وانصهارها في المجتمع وظهور الطبقة العاملة المثقفة في بواكير القرن العشرين، تلك المؤسسة العريقة التي أنشأها المستعمر: سكك الحديد السودان.

 

سكك الحديد السودان لها تاريخ عريق يعود إلى عام 1874، عندما تم إنشاء أول خط سكة حديد بين وادي حلفا وسراس. كانت السكة حديد تلعب دورًا مهمًا في النقل والاقتصاد السوداني، حيث كانت تربط بين المدن والمناطق المختلفة في البلاد.

 

وقد مر تاريخ امتداد تأسيسها بمراحل عديدة، ابتدأ من عهد الخديوي إسماعيل، الذي قام ببناء أول خط سكة حديد بين وادي حلفا وكرمة. تم استئناف العمل في السكة حديد في عام 1897، وتم افتتاح الخط الرئيسي بين وادي حلفا والخرطوم في عام 1899. بعد الاستقلال، تم توسيع شبكة السكة حديد لتشمل مناطق جديدة، مثل دارفور وبحر الغزال.

 

مما كان لها الأثر البالغ في الاقتصاد السوداني والحركة الوطنية والثقافية، حيث لعبت السكة حديد دورًا مهمًا في الحركة الوطنية السودانية، فكانت مركزًا للنضال من أجل الاستقلال والحقوق. وظهور الطبقة العاملة ونقابة عمال السكة حديد من أوائل النقابات السودانية تشكيلًا وأقواها تأثيرًا في المجتمع.

 

فقد ساهمت السكة حديد في تعزيز الوحدة الوطنية والتواصل بين المجتمعات المحلية المختلفة، فكانت السكة حديد أيضًا مركزًا للثقافة والفكر. وقد ضمت السكة حديد كثيرًا من المفكرين والأدباء والساسة الوطنيين، يضيق المجال عن ذكرهم، فأصبحت مدينة عطبرة صاحبة القدح المعلى في إثراء الحركة الوطنية في السودان، تضاهي بذلك مدينة أم درمان، وتلتها مدن أخرى بعد قيام السكة منها حواضر غرب السودان التي بدأت في الانصهار بعد قيام السكة ووسط السودان أرض الجزيرة.

 

فساهمت السكة حديد في ربط السودان اقتصاديًا ووجدانًا، فزهرت الملاحة النهرية ما بين الجنوب وأقاليم غرب السودان والنيل الأبيض في مناطق كوستي وغيرها. وقد سكنت السكة حديد في وجدان الشخصية السودانية، وكانت من أهم الروابط بين أبناء السودان، وظهر ذلك جليًا في الوجدان الشعبي والعاطفي، وورد ذكر القطار في الأغاني العاطفية، مما يبين الأثر الكبير للسكة حديد الاقتصادي والإنساني.

 

فتغنى الشعراء للقطار: “القطار المر فيه مر حبيبي بس علي ما مر” و”من بف نفسك يا القطار وبرزيم صدرك قبلي طار وينو الحبيب؟” وقطار الشوق. وفي مجال أغاني البنات ورد: “القطر الشالك انت يتكسر حتة حتة”.

 

وخلاصة القول إن السكة حديد كما كانت شريان الاقتصاد السوداني أزكت وجدانَه. ومن أشهر من عمل بالسكة حديد السودانية وهم كثر، فمن أهم الشخصيات التي عملت في السكة حديد السودانية محمد عبد الرحيم باشكاتب بالسكة حديد، والشاعر عبد الله النجيب، وإبراهيم عثمان من رواد العمل النقابي في السودان، ومحجوب كبلاوي.وكذلك معظم ضباط الحربية السودانية عملوا بالسكة حديد حتي انشئت الكتيبة الاستراتجية بالجيش السوداني للاشراف وادارة الناقل الوطني وعلي راس ذلك السكة حديد.

 

وقد ارتبطت السكة حديد بجميع مفاصل الحياة في السودان، وكانت ذات علاقة وثيقة بالنقل النهرى والبريد، وأسهمت في تطوير كثير من المناطق في السودان وتوطين أهلها وتوفير الخدمات من تعليم وصحة، وأسهمت في استقرار أهل البادية والصحراء، فأصبحت قراهم ومناطقهم مدنًا يشار إليها بالبنان، وهذا ظاهر للعيان برغم الإهمال الذي تعرضت له تلك المؤسسة العريقة التي حسب وجهة نظر التحليق أنها أحد الأعمدة الفقرية للوحدة وبناء السودان، فيجب إعادة النظر في تطويرها والاهتمام بها، وهي من المؤسسات ذات الأثر الاستراتيجي في بناء السودان، فهي ليست حجر الزاوية في الاقتصاد فحسب، ولكنها الشخصية السودانية التي يجب استدعاءها من بعد ثبات عميق.

 

حفظ الله البلاد والعباد.

جيش واحد شعب واحد. ودمتم سالمين ولوطني سلام.

 

السبت/ 4/أبريل/2026

‫شاهد أيضًا‬

رابطة الشعوب تكرم أزهري المبارك تقديرا لأدواره الإنسانية

كرمت منظمة رابطة الشعوب رجل البر والإحسان الحاج أزهري المبارك تقديرا لأدواره الإنسانية وال…