‫الرئيسية‬ مقالات “وهم الخارج… حين نؤجل خلاصنا بأيدينا”
مقالات - ‫‫‫‏‫4 أيام مضت‬

“وهم الخارج… حين نؤجل خلاصنا بأيدينا”

إتجاه البوصلة   الجزولي هاشم

حين تشتد الأزمات وتضيق المسارات، تتحرك البوصلة السياسية في السودان—للأسف—نحو الخارج. كأن الحل معلق في عواصم بعيدة، أو مخبأ في بيانات تُكتب بلغة غير لغتنا، أو مؤجل على طاولات تفاوض لا نحجز فيها إلا مقاعد الانتظار. هذا ليس سلوكًا عابرًا، بل نمط تفكير ترسخ حتى أصبح جزءًا من طريقة إدارة الأزمات… نمط يُعيد إنتاج الفشل، لكنه يُسوّق دائمًا كأمل جديد.

في غرف متخذ القرار، وفي تلك “الغرف الباردة” التي تُصاغ فيها السيناريوهات بعيدًا عن حرارة الشارع، ما زال الرهان قائمًا: الخارج سيأتي بالحل. لكن التجربة تقول غير ذلك. الرهان على الخارج ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل خلل عميق في فهم طبيعة الأزمات الوطنية. الأوطان لا تُبنى بقرارات مستوردة، ولا تستقر بإرادات مفروضة من خارج حدودها.

كل تسوية لا تنبت من تربة الداخل، تبقى هشة، قابلة للانهيار عند أول اختبار. وقد رأينا ذلك مرارًا: اجتماعات تُعقد، اتفاقيات تُوقّع، صور تُلتقط… ثم يتبخر كل شيء لأن الأساس لم يكن صلبًا. لم يكن هناك اقتناع حقيقي، بل استجابة لضغوط أو حسابات مؤقتة.

المشكلة ليست في الخارج، بل في تحويله إلى بديل عن الداخل. حين يصبح الخارج “ضامنًا” بدل أن يكون “داعمًا”، نكون قد تنازلنا—بهدوء—عن مسؤوليتنا الوطنية. وحين ننتظر الحل من الآخرين، فإننا نهرب من مواجهة أنفسنا.

وهنا السؤال الذي لا مفر منه: لماذا نخشى الحل الداخلي؟

لأن كلفته أعلى… لأنه يتطلب تنازلات حقيقية، وشجاعة في مواجهة الذات، واستعدادًا لقبول الآخر. وهذه تحديدًا هي المعركة التي لم تُحسم بعد داخل العقل السياسي السوداني.

التوافق الداخلي ليس طريقًا سهلًا، لكنه الطريق الوحيد الذي يصمد. هو الذي يبني شرعية حقيقية، لا شرعية مؤقتة تُستمد من رضا الخارج. هو الذي يمنح القرار وزنه، والاتفاق قيمته، والدولة استقرارها.

السودان لا يعاني من نقص الأصدقاء، بل من غياب الاتفاق مع نفسه.

ولا تنقصه المبادرات، بل تنقصه الإرادة.

وفي هذا السياق، تبرز بعض المحاولات لطرح ملامح طريق مختلف. من بينها ما ورد في “أجندة المستقبل: اليوم واليوم التالي” والتي طرحها مولانا /أحمد محمد هارون رئيس المؤتمر الوطني-المفوض —بغض النظر عن بعض المواقف السياسية منها—تطرح فكرة جوهرية لا يمكن تجاوزها: أن بناء الحل يبدأ من الداخل، عبر لقاء السودانيين على كلمة سواء، وفتح باب الحوار دون إقصاء، والتأسيس لمرحلة انتقال من الصراع إلى التوافق.

تشير تلك الرؤية إلى ضرورة الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل، عبر أجندة لليوم تُعنى بوقف التدهور، وتهيئة المناخ للحوار، وأجندة لليوم التالي تُركز على بناء الدولة واستعادة المؤسسات على أساس وطني جامع. وهي إشارة—إن أُخذت بجدية—تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الخارج لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإرادة الداخلية.

لكن القيمة الحقيقية لأي مبادرة لا تكمن في نصوصها، بل في مدى استعداد القوى السياسية لتحويلها إلى ممارسة. فالحوار ليس شعارًا، بل التزام. والتوافق ليس بيانًا، بل تنازلات متبادلة.

إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في غياب الأفكار، بل في غياب الثقة. ليس في نقص المبادرات، بل في ضعف الإرادة لتنفيذها بروح وطنية تتجاوز المرارات، وتتعالى على إرث الصراعات، وتؤسس لثقافة جديدة: ثقافة الحوار كنهج دائم، لا كحل مؤقت.

لقد آن الأوان أن نُعيد تعريف علاقتنا بأنفسنا… أن نثق في قدرتنا على الجلوس معًا، لا انتظار من يجمعنا. أن نُدرك أن قضايا السودان لا تُحل بالاتكاء على الخارج، ولا برفع سقوف الأمل على وساطات، بل بإرادة داخلية صلبة تعترف بالجميع وتُشرك الجميع.

في إتجاه البوصلة الصحيح، يجب أن نتجه إلى الداخل… حيث الإرادة، حيث القرار، حيث الوطن.

الرهان على الخارج يشبه من يستعير عكازًا بدل أن يعالج قدمه. قد يساعده على الوقوف مؤقتًا، لكنه لن يمشي أبدًا ما لم يواجه ألمه.

لقد آن الأوان لكسر هذه الحلقة.

آن الأوان أن نعيد تعريف الحل: ليس ما يُتفق عليه في الخارج، بل ما يصمد في الداخل.

وليس ما يُرضي الوسطاء، بل ما يُرضي الوطن.

التاريخ لا ينتظر المترددين،

والأوطان لا تُدار بالوكالة… ولا تُنقذ إلا بأيدي أبنائها.

‫شاهد أيضًا‬

منظمة تضامن الشعوب الأفريقية والآسيوية ترحب بوقف إطلاق النار وتدعو لمسار تفاوضي شامل

رحّبت سكرتارية منظمة تضامن الشعوب الأفريقية والآسيوية بإعلان وقف إطلاق النار، واعتبرته خطو…