أسباب استعداء السودان: “قراءة جيوسياسية”
حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام

لا يمكن فهم ظاهرة الاستعداء التي يتعرض لها السودان في المحافل الإقليمية والدولية، ولا المؤامرات التي تُحاك ضده، بمعزل عن موقعه الجغرافي وثرواته الطبيعية وتقلباته السياسية. فالاستعداء هنا ليس موجهاً بالضرورة إلى الشعب السوداني — فالشعب السوداني من أطيب شعوب العالم وأعرقها — بل هو نتاج تقاطع مصالح إقليمية ودولية ترى في السودان ساحة نفوذ أو ورقة ضغط لا يمكن تجاهلها. وليس هذا بجديد؛ فمنذ غزو المغامر الألباني محمد علي باشا برعاية الأتراك، مروراً بالاستعمار البريطاني، والسودان في قلب معادلات الصراع.
ويمكن إجمال أبرز الأسباب فيما يلي:
*أولاً: الموقع الجيوستراتيجي الحاكم*
يقع السودان في قلب تقاطعات بالغة الحساسية؛ فهو يطل على البحر الأحمر، ويتحكم في جزء كبير من مجرى نهر النيل، ويشكّل الجسر البري بين شمال أفريقيا العربي وأفريقيا جنوب الصحراء، كما يتاخم سبع دول. هذا الموقع جعل من السودان دولة لا تستطيع القوى الإقليمية (مصر وإثيوبيا ودول الخليج) والدولية (الولايات المتحدة وروسيا والصين) أن تكون محايدة تجاهها. فكلما مال السودان نحو محور، اعتبره المحور المقابل تهديداً لمصالحه الحيوية.
*ثانياً: وفرة الموارد ومحدودية القدرة على إدارتها*
يزخر السودان بموارد مائية وزراعية ومعدنية هائلة: أراضٍ صالحة للزراعة تقدر بملايين الأفدنة، واحتياطيات من الذهب واليورانيوم والنفط، وتحكّم في مياه النيل الأزرق. غير أن ضعف الدولة وتذبذب سياساتها جعل هذه الموارد مصدراً للتنافس الخارجي أكثر من كونها مصدراً للقوة. فملف سد النهضة، على سبيل المثال، وضع السودان في قلب صراع مصري-إثيوبي، وأي موقف يتخذه يُفسّر كعداء للطرف الآخر.
*ثالثاً: إرث العزلة والعقوبات (1993–2020)*
أدى تبني النظام السابق خطاباً إسلامياً راديكالياً واستضافة جماعات مصنفة إرهابياً إلى إدراج السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفرض حصار اقتصادي ودبلوماسي استمر نحو ثلاثة عقود. ورغم رفع اسم السودان من القائمة عام 2020، فإن الصورة النمطية التي ترسخت في الإعلام الغربي عن كونه “دولة مارقة” لم تُمحَ بالكامل، ولا تزال تؤثر في تعامل المؤسسات المالية والسياسية معه.
*رابعاً: سياسة المحاور والتحالفات المتقلبة*
منذ عام 2011 دخل السودان في لعبة المحاور الإقليمية بين معسكر السعودية-الإمارات من جهة، وتركيا-قطر من جهة أخرى. وقد أدى غياب استراتيجية وطنية ثابتة إلى اعتبار أي حياد أو انحياز تكتيكي “خيانة” من قبل أحد الطرفين، مما يترجم إلى حملات إعلامية وسياسية مضادة.
*خامساً: الحروب الداخلية وتآكل سلطة الدولة*
أفضت النزاعات المتعاقبة — من جنوب السودان إلى دارفور والنيل الأزرق وصولاً إلى حرب أبريل 2023 — إلى إضعاف الدولة المركزية، وفتح الباب أمام تدخلات خارجية تدعم طرفاً على حساب آخر لضمان مصالحها المستقبلية. وهنا يصبح الاستعداء أداة ضغط على الحكومة القائمة في الخرطوم، لا على السودان ككيان.
وبحسب وجهة نظر “التحليق”، فإن استعداء السودان ليس قدراً محتوماً ولا نتيجة لطبيعة شعبه، بل هو انعكاس لمعادلة بسيطة: دولة تملك الموقع والموارد، ولكنها تفتقر إلى الاستقرار المؤسسي والرؤية الاستراتيجية الموحدة. وكلما استمر هذا الفراغ، ظل السودان هدفاً سهلاً للاستقطاب والاستعداء، وأداةً في حسابات الآخرين بدل أن يكون فاعلاً في حساباته.
وعليه، فإن ما نشهده اليوم من تخبط في “حكومة الأمل” في رؤيتها للحكم لا يفضي إلا إلى مزيد من الصراعات. وعلى قادة الجيش السوداني أن يدركوا أن أي حل للأزمة لا يكمن إلا في صياغة حكومة وطنية جادة قادرة على إدارة هذه الثروات، وتمكين المؤسسات الوطنية لخدمة المواطن السوداني. فالحرب التي تدور رحاها اليوم لن تنتهي، ولن يُهزم الجمع، ما لم يكن المواطن في أحسن حالاته. لقد صبر الشعب على الموت، ولكن خيبة الأمل لا صبر عليها؛ فليحذر الجميع من تسرب اليأس إلى روح الوطن.
حفظ الله البلاد والعباد.
*جيش واحد شعب واحد.*
ودمتم سالمين، وللوطن السلام.
*الاثنين / 6 أبريل / 2026*
بين عصا موسى وقميص يوسف
يعيش المواطن السوداني اليوم في منطقة رمادية قاسية بين أسطورتين؛ لا هو بلغ بر الأمان، ولا ه…





