_شظايا قرار

حسن النخلي يكتب التحليق وسط الزحام _شظايا قرار
القرار يشبه الرصاصة. يخرج في لحظة، لكن شظاياه تعيش ألف يوم. يصيب هدفاً واحداً، ويجرح ألف قلب لم تكن في مرمى النظر.
في السياسة كما في الحرب، لا يوجد قرار نظيف. كل قرار له كلفة لم تُحسب، وجرح لا يظهر في تقرير الخسائر الرسمي. المشكلة ليست في القرار نفسه، بل في الظن أنك تملك كل زواياه حين تتخذه. كل قرار هو ابن قرارات سبقته. حين تقرر أن تحارب، فأنت تحصد بذوراً زرعها من سبقك. وحين تقرر أن تصالح، فأنت تداوي جراحاً صنعها غيرك.
أخطر شظايا القرار هي مظنة السيطرة. تظن أنك حين تطلق القرار، تتحكم في مداه. لكن القرار مثل النار في الهشيم. تشعل عوداً لتحرق شجرة، فتأتي الريح وتحرق الغابة. قالوا: “نُسقط النظام في أسبوع”. سقط النظام، وسقطت معه المدرسة والمستشفى والذاكرة لم تسقط . الشظية لا تسألك عن نيتك. تصيب من يمر في طريقها. والقرارات لا تموت. تُحفظ في الكتب، وتعيش في الصدور. جيل لا ينسى، وجيل يتجرع الألم .
النبي صلى الله عليه وسلم أدرك هذا. في فتح مكة، لم يكن قرار العفو قرار لحظة. كان شظية قرار أقدم: قرار الخروج مهاجراً قبل ثماني سنوات. لو قاتل منذ اليوم الأول، لما بقي له أحد يعفو عنه. الصبر قرار، والهجرة قرار، والعفو قرار. وبعد الفتح لم يوزع الغنائم على أهل مكة. أعطاها للطلقاء، لمن حاربوه بالأمس. غضب الأنصار وقالوا: “يجدنا في القتال ويعطي غنائمنا لقومه”. فجمعهم وقال: *”يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون أنتم برسول الله إلى رحالكم؟”* فبكوا حتى اخضلت لحاهم. كان قراراً اقتصادياً شظاياه سياسية، فعالجها بقرار وجداني شظاياه أبدية. أعطاهم ما لا يُشترى: نفسه.
وفي صلح الحديبية تنازل عن كلمة “رسول الله” في الوثيقة. شظية القرار كانت غضب الصحابة. عمر قال: “ألسنا على الحق؟”. لكن النبي رأى أبعد: هذا التنازل سيفتح مكة بلا دم. وقبل بشظية اللحظة ليمنع شظايا السنين. والأهم: خرج إلى الناس يوضح ويطيب الخواطر، حتى سكنت القلوب.
اليوم نرى شظايا قرار الصلح بين الجيش السوداني واللواء القبة. قرار عسكري هدفه حقن الدماء وكسب قوة إلى الصف. لكن له شظايا. تحركت قوات اللواء القبة في أحياء أمدرمان بالزي الرسمي لمليشيا الدعم السريع. هو نفس الزي الذي كان يرتديه من قتل ونهب واغتصب في ذات الشوارع قبل أشهر. المواطن الذي فقد بيته، ودفن أخاه، ورأى بعينه، يقف الآن أمام نفس الزي. العقل يقول: “هؤلاء انضموا للجيش”. والقلب يقول: “هذا الزي قتلني بالأمس”.
هذه هي الشظية: فجوة بين قرار الغرفة المغلقة، وذاكرة الشارع المفتوح. القرار قال: “انتهت الحرب مع هؤلاء”. والذاكرة قالت: “لكن الحرب التي في صدري لم تنته بعد”.
القرآن وضع قاعدة القرار: *”وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ” [آل عمران: 159]* ثم *”فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ”*. الشورى تقلل العمى، والبيان يقلل الشك. والسيرة وضعت ميزاناً: *”لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ” [الأحزاب: 21]*. قبل كل قرار مصيري، كان يسأل: ماذا يبني هذا القرار في الإنسان؟ لا في الأرض.
الصلح قرار شجاع. لكن الشجاعة الأكبر أن تداوي شظاياه. أن تخاطب أمدرمان: لماذا هذا الزي؟ ما هي الضمانات؟ متى يُخلع؟ كيف نضمن ألا يتحول الصلح إلى شرعنة للقتل السابق؟ القرار ليس شجاعة أن تتخذه. الشجاعة أن تتحمل شظاياه، وأن تعتذر عنها، وأن تداويها قبل أن تطلب المجد.
وقد قيل أن *”رأي الشيخ خير من مشهد الغلام”*. لأن الشيخ رأى شظايا قرارات الأمس، فيحذر من شظايا الغد.
حفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين ولوطني سلام.
السبت /24 /أبريل /2026.
وزير الصحة يدشن حملات المكافحة ويفتتح مجمعات بكبوشية
دشن وزير الصحة الاتحادي، الدكتور هيثم محمد إبراهيم، بمنطقة كبوشية بمحلية شندي، الحملة الكب…





