‫الرئيسية‬ مقالات نصر الميدان… أم ساعة الحديبية؟
مقالات - ‫‫‫‏‫8 ساعات مضت‬

نصر الميدان… أم ساعة الحديبية؟

وجه الحقيقة  إبراهيم شقلاوي

ما يجري اليوم في جبهة العمليات في كردفان والنيل الازرق يوحي بأن السودان يقف عند مرحلة جديدة. فالتقدم العسكري المتسارع، واقتراب الجيش من بسط السيطرة على كردفان الكبرى، يكشف عن تحول في ميزان القوة، عنوانه تآكل بنية المليشيا من الداخل وتبدل الولاء القبلي.

خلال يومي الخميس والجمعة الماضيين، تناقلت وسائط إعلامية، من بينها ما أوردته “تاق برس”، عن تسليم مجموعة مقاتلة مع مليشيا الدعم السريع من إحدى المكونات القبلية في كردفان لعتادها وانضمامها إلى القوات المسلحة، بكميات كبيرة من العربات والمعدات. وفي السياق نفسه، أشارت تقارير أخرى خاصة إلى تنامي أدوار الإدارات الأهلية في كردفان ودارفور في تسهيل عمليات حوار مع أبنائهم المقاتلين، بما يعكس أن التحول لم يعد محصورًا في خطوط التماس العسكرية، بل بدأ يتغلغل في البنية الاجتماعية الحاضنة و الحاكمة لمعادلات الولاء والنفوذ.

هذه التطورات تزامنت مع بيان رسمي الخميس للقيادة العامة للقوات المسلحة، أعلن عن سلسلة عمليات خلال 72 ساعة في عدة محاور، شملت النيل الأزرق، غرب وشمال كردفان، ودارفور. ووفق البيان، فقد تم تحقيق اختراقات ميدانية عبر تحرير مناطق في النيل الأزرق، وتدمير دبابات ومدرعات وعربات قتالية في غرب كردفان، إلى جانب استهداف تجمعات ومخازن سلاح في دارفور، في إطار عمليات وصفت بأنها “قاصمة” لقدرات المليشيا في أكثر من جبهة.

سياسيًا يقرأ البيان باعتباره تعبيرًا عن انتقال في العقيدة الميدانية من إدارة الحرب إلى إعادة فرض السيطرة الشاملة في جميع جبهات القتال، بما يعني أن الدولة لم تعد تتحرك في منطق الدفاع عن المواقع، بل في منطق استعادة ولايات كردفان ودارفور. هذا التحول في الحرب يمثل نقطة انعطاف بين مرحلة الاستنزاف ومرحلة الحسم واستعادة السيطرة.

في موازاة ذلك، تشير الضربات التي استهدفت اجتماعات قيادية رفيعة إلى اختراق نوعي في منظومة الأمن لدى المليشيا. فالوصول إلى هذه الدوائر المغلقة لا يعني فقط دقة الرصد، بل يكشف عن تفكك داخلي يضعف القدرة على حماية مركز القيادة والسيطرة. ومع تزامن ذلك مع الضغط العملياتي المستمر، تتشكل بيئة أقرب إلى “الانهيار ”، حيث تختفي الحشود، وتتراجع خطوط الإمداد، وتفقد القيادة قدرتها على التماسك.

لكن ورغم هذا التقدم ، فإن القراءة السياسية لا يمكن أن تقف عند حدود النصر الميداني. فالتاريخ في لحظاته الأكثر صفاءً، يعلّم أن ذروة القوة قد تكون بداية الاختبار. وهنا تبرز دلالة استدعاء شهر ذو القعدة الذي نعيشه هذه الأيام، بما يحمله من محطات مفصلية في السيرة النبوية.

ففي هذا الشهر، تجلت بيعة الرضوان كأقصى تعبير عن التماسك والالتفاف حول القيادة و الهدف، حيث تبلورت إرادة جماعية صلبة لا تعرف التراجع. وهو المعنى الذي ينعكس اليوم في حالة الاصطفاف التي تدعم القيادة و تقدم القوات المسلحة، وفي تزايد القناعة بأن الحسم ممكنًا.

غير أن تلك اللحظة التاريخية لم تكن نهاية الطريق وذروته، بل كانت مقدمة لصلح الحديبية، الذي بدأ في ظاهره تنازلًا، لكنه أسّس لفتح استراتيجي غيّر موازين القوة لاحقًا. هذه المفارقة تحمل في دلالاتها، درسًا بالغ الأهمية : أن النصر الحقيقي لا يُختبر في لحظة الحسم، بل في كيفية إدارة ما بعدها. فبينما تؤسس القوة للفرصة، تصوغ السياسة المشروع.

من هذا المنظور، فإن اقتراب تحرير كردفان الكبرى يضع الدولة السودانية أمام استحقاق يتجاوز الميدان. فالتحدي لن يكون في السيطرة على الأرض، بل في إعادة تشكيلها سياسيًا واجتماعيًا. كردفان ليست مجرد جغرافيا تُستعاد، بل فضاء معقد من التوازنات القبلية والاقتصادية، يحتاج إلى مقاربة تستوعب الفاعلين المحليين، وتعيد بناء الثقة للمجتمعات والقيادات الأهلية والمناطقية، وتمنع انزلاق الإقليم مجددًا إلى دوامة الصراع.

إن أي قراءة تختزل ما يجري في انتصارًا عسكريًا فقط، تغفل أن الحروب الحديثة لا تُحسم بالكامل بالسلاح، بل بقدرة الدولة على تحويل لحظة التفوق إلى مشروع وطني للاستقرار والنهوض. فكما أن الحديبية فتحت المجال لانتشار الدعوة في بيئة أكثر أمانًا، فإن ما بعد العمليات في كردفان والنيل الأزرق ودارفور يتطلب فتح أفق سياسي يوازي الإنجاز العسكري، ويؤسس لسلام قائم على إعادة بناء الدولة، لا مجرد فرض السيطرة.

السؤال إذن لا يتعلق بما إذا كان النصر قد تحقق في الميدان، بل بكيفية استثماره. هل ستتجه الدولة إلى تثبيت معادلة الغلبة، أم ستدرك أن لحظة القوة هي الأنسب لإنجاح المبادرة السياسية التي تعيد ترتيب المشهد؟ في هذا يكمن جوهر الاختبار، في ضرورات الحسم مع حكمة التدبير.

بحسب #وجه_الحقيقة بين نصر الميدان وساعة الحديبية، يقف السودان على حافة اختيار تاريخي. فإما أن تتحول هذه اللحظة إلى بداية تأسيس، تُدار فيها القوة بوعي سياسي يفتح أبواب الاستقرار، أو أن تبقى مجرد حلقة أخرى في سلسلة انتصارات لا تكتمل. وفي هذا المنعطف، لا يكون السؤال عن القدرة على الحسم، بل عن القدرة على الانتقال إلى المستقبل.

دمتم بخير وعافية.

السبت 25 أبريل2026م Shglawi55@gmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

‫شاهد أيضًا‬

اتحاد الصحفيين يعلن الحرب على فوضى الخطاب الإعلامي ويُفعّل لائحة المحاسبة بعقوبات رادعة

اعلن الاتحاد العام للصحفيين السودانيين إدانته لما وصفه “التهاتر المشين” في الو…