‫الرئيسية‬ مقالات انشقاقات وتحالفات.. حين ينتصر صوت الوطن على ضجيج الحرب
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

انشقاقات وتحالفات.. حين ينتصر صوت الوطن على ضجيج الحرب

د. ميمونة سعيد ادم أبو رقاب

تمضي الحروب في كثيرٍ من الأحيان بمساراتٍ معقدة، تتداخل فيها التحالفات والانشقاقات، وتتغير خلالها المواقف تبعًا للتحولات العسكرية والسياسية والاجتماعية. وما يحدث اليوم في السودان ليس استثناءً من هذه القاعدة التاريخية، إذ تتوالى الانشقاقات داخل المليشيات، وتتزايد الأصوات التي اختارت العودة إلى الدولة والانحياز إلى الوطن بعد أن أدركت حجم الكارثة التي خلّفتها الحرب على الإنسان السوداني والأرض السودانية.

فبعد انشقاق شخصيات وقيادات ميدانية عديدة، جاء انشقاق “السافنا” عقب “النور قبة” ليعكس بوضوح أن المشهد يشهد مراجعات داخلية عميقة، وأن كثيرين بدأوا يدركون أن استمرار الحرب لا يقود إلا إلى مزيد من التمزق والانهيار. وقد يختلف الناس في توصيف هذه التحركات؛ فالبعض يسميها استسلامًا، وآخرون يرونها سلامًا، بينما يعتبرها آخرون مجرد انشقاقات تكتيكية، غير أن الحقيقة الأهم تبقى أن العودة إلى الحق فضيلة، وأن الرجوع إلى الوطن خيرٌ من الاستمرار في مشروع الفوضى والدمار.

ولا شك أن الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت خلال الحرب تركت جراحًا غائرة في وجدان السودانيين، من قتلٍ ونهبٍ وتشريدٍ وانتهاكات مست كرامة الإنسان وأمنه واستقراره، وهو ما يجعل كثيرًا من المواطنين ينظرون بعين الريبة والغضب إلى أي حديث عن التسويات أو العودة. غير أن الدول لا تُدار بالعاطفة وحدها، بل تُدار كذلك بالحكمة والموازنة بين العدالة ومتطلبات الاستقرار الوطني، خصوصًا في المجتمعات الخارجة من النزاعات المسلحة.

وفي هذا السياق، فإن القيم الدينية والقانونية والإنسانية جميعها تفتح باب التوبة والعودة متى ما صدقت النوايا، فالدين الإسلامي نفسه جعل باب الرجوع مفتوحًا حتى في قضايا الحرابة إذا تاب الجاني وعاد قبل القدرة عليه، كما يقول الله تعالى: “إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ”. كذلك فإن القرآن الكريم دعا إلى تغليب خيار السلم متى ما توفرت إرادته الحقيقية، في قوله تعالى: “وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ”. وهي مبادئ تؤكد أن إنهاء النزاعات لا يكون دائمًا عبر الحسم العسكري وحده، وإنما أيضًا عبر فتح مسارات العودة الوطنية وإعادة الدمج وفق أسس تحفظ هيبة الدولة وحقوق المواطنين.

ومن غير المنطقي أن يُظن أن مؤسسة عسكرية عريقة كالقوات المسلحة السودانية، بتاريخها الممتد لعشرات السنين، وخبراتها القتالية المتراكمة، وعلاقاتها العسكرية والاستخباراتية الواسعة، تغيب عنها الحسابات الدقيقة المتعلقة بملف العائدين والمنشقين. فهذا الجيش الذي خاض معارك متعددة داخل السودان وخارجه، ويحمل إرثًا طويلًا من الانضباط والخبرة، يدرك بلا شك تعقيدات الحرب وتوازنات ما بعدها، ويعلم أن إدارة الصراعات لا تقوم فقط على المواجهة، بل كذلك على احتواء التمرد وفتح أبواب العودة لمن اختاروا التخلي عن السلاح.

إن السودان، رغم ما يمر به من محن، ما يزال بلدًا واسع الإمكانات والفرص. فهو دولة بحجم قارة، يمتلك أراضي زراعية شاسعة، وثروات معدنية هائلة، وموارد طبيعية تجعل منه واحدًا من أغنى بلدان المنطقة إذا ما توفرت له بيئة الاستقرار والإدارة الرشيدة. ولذلك فإن الشعب السوداني لا ينتظر فقط نهاية الحرب، بل ينتظر بداية مرحلة جديدة يعود فيها المواطن إلى أرضه ومزرعته وحقله ومصنعه ومدرسته، مرحلة يحمل فيها الناس معاول البناء بدل البنادق، ويعود فيها الاهتمام بالإنتاج والتنمية بدل الانشغال بالدمار والاقتتال.

غير أن السودان، بما يملكه من إمكانات استراتيجية وثروات ضخمة، ظل دائمًا هدفًا للأطماع والتدخلات الخارجية، إذ لا تخفى رغبة بعض القوى في إضعاف الدولة السودانية وإبقائها في دائرة النزاعات من أجل السيطرة غير المباشرة على مواردها وموقعها الجغرافي. ولذلك فإن الحفاظ على وحدة الدولة الوطنية يظل مسؤولية جماعية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة والانقسامات المرحلية.

لقد أثبت التاريخ أن كثيرًا من الدول التي عصفت بها الحروب الأهلية استطاعت أن تنهض مجددًا عندما انتصر فيها صوت العقل على لغة السلاح، وعندما أدركت القوى المتصارعة أن لا منتصر حقيقي في الحروب الداخلية. فالأوطان لا تُبنى بالثأر وحده، وإنما تُبنى كذلك بالتسامح المنضبط بالقانون، وبالمصالحة التي تحفظ الحقوق، وبالقدرة على تحويل الألم إلى مشروع وطني جامع.

إن ما يصبو إليه السودانيون اليوم ليس مجرد هدنة مؤقتة، ولا سلامًا هشًا تفرضه الضرورات العسكرية، وإنما سلام دائم وعادل يعيد للدولة هيبتها، وللمواطن أمنه، وللوطن عافيته. سلام يقوم على وحدة السودان، ورفض مشاريع التقسيم والفوضى، وبناء دولة تتسع للجميع تحت مظلة القانون والمؤسسات والهوية الوطنية الجامعة.

وفي نهاية المطاف، ستظل الحقيقة الثابتة أن السودان يسع الجميع، وأن الوطن أكبر من الحرب، وأبقى من التحالفات العابرة والانقسامات المؤقتة، وأن المستقبل لا يمكن أن يُصنع إلا بإرادة وطنية تضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار.

‫شاهد أيضًا‬

وعاد ساجور انقطاع الكهرباء والمتضرر طلاب الشهادة المتوسطة 

كنا قد استبشرنا خيرا ووصلنا إلي حالة من الارتياح علي خلفية اقتراب تشغيل محطة توليد الجنيد …