السودان على حافة التحولات الكبرى.. قراءة تحليلية في مشهد الاستسلامات والتكتلات الجديدة
حديث الساعة الهام سالم منصور

ما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد تطورات عسكرية عابرة، بل هو تحول عميق في شكل الدولة والمجتمع وموازين القوة داخل البلاد. فالمشهد السوداني بات مفتوحاً على كل الاحتمالات، بين بوادر انفراج قد تقود إلى استعادة الدولة، وبين مخاطر تشتت جديد قد يدخل الوطن في دوامة أكثر تعقيداً وخطورة.
خلال الفترة الماضية، شهدت الساحة السودانية استسلام عدد من قيادات وعناصر الدعم السريع، في مشهد حمل رسائل متعددة. البعض اعتبره بداية انهيار المشروع المتمرد، والبعض الآخر رآه مجرد إعادة تموضع ومحاولة للنجاة تحت ضغوط الواقع العسكري والسياسي. لكن وسط هذه التطورات، ظهرت في المقابل تجمعات وتحركات وتحالفات جديدة، الأمر الذي جعل المواطن السوداني يعيش حالة من القلق والترقب، لأن الصورة حتى الآن لم تكتمل بصورة واضحة.
الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن السودان اليوم يمر بمرحلة “سيولة سياسية وأمنية”، وهي من أخطر المراحل التي تمر بها الدول بعد الحروب. ففي هذه المرحلة تختلط الأوراق، وتكثر المبادرات والتكتلات، وتتداخل المصالح المحلية والإقليمية، ويصبح من الصعب التمييز بين من يعمل لأجل الوطن ومن يبحث عن موطئ قدم في خارطة ما بعد الحرب.
إن استسلام بعض القيادات لا يعني بالضرورة نهاية الأزمة، لأن الحروب لا تنتهي فقط بإلقاء السلاح، بل تنتهي عندما تُقتلع أسبابها الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك فإن الخطر الحقيقي الآن ليس فقط في بقايا التمرد، بل في الفراغ الذي قد تنتجه هذه المرحلة إذا لم تتم إدارتها بحكمة الدولة وقوة المؤسسات.
المواطن السوداني البسيط، الذي عاش النزوح والجوع وفقدان الأمان، ينظر اليوم بخوف إلى أي مشهد يحمل ملامح إعادة إنتاج الأزمة. فالشعب لم يعد يحتمل تعدد الجيوش، ولا المناورات السياسية، ولا التحالفات الهشة التي تتغير حسب المصالح. المواطن يريد وضوحاً، يريد دولة واحدة، وسلاحاً واحداً، وقراراً وطنياً واحداً لا تتحكم فيه الأجندات الخارجية ولا الحسابات الضيقة.
ومن أخطر ما يواجه السودان حالياً هو حالة التشتت المجتمعي والنفسي التي خلفتها الحرب. فالحرب لم تدمر البنية التحتية فقط، بل أحدثت شرخاً عميقاً في الثقة بين مكونات المجتمع. هناك مواطن فقد أسرته، وآخر فقد منزله، وآخر يعيش مرارة اللجوء والنزوح، وكل هؤلاء يحملون جراحاً نفسية قد تتحول مستقبلاً إلى حالة غضب أو رفض لأي تسويات لا تحقق العدالة.
لذلك فإن أي عملية سياسية أو أمنية قادمة يجب أن تراعي هذا البعد الإنساني والنفسي، لأن تجاهل معاناة المواطن قد يخلق بيئة خصبة لعودة الفوضى. فالسلام الحقيقي لا يُصنع في القاعات المغلقة فقط، بل يُصنع أيضاً في وجدان الناس عندما يشعرون بالأمان والعدالة والانتماء.
كما أن ملف القيادات التي استسلمت يحتاج إلى معالجة دقيقة جداً، لأن التعامل العشوائي مع هذا الملف قد يقود إلى نتائج خطيرة. فمن جهة، لا بد من فتح الباب أمام العودة الوطنية لكل من يختار الوطن ويتخلى عن السلاح، ومن جهة أخرى لا بد من وجود رقابة أمنية واستخباراتية صارمة، حتى لا تتحول بعض الاستسلامات إلى مجرد تكتيك مؤقت أو اختراق جديد يهدد استقرار البلاد.
أما التكتلات والتجمعات الجديدة التي بدأت تظهر في المشهد، فهي تمثل بدورها تحدياً كبيراً. لأن السودان عانى لعقود من ظاهرة تعدد المراكز والقوى المسلحة والسياسية ذات الولاءات المختلفة. وأي تجمع لا يقوم على مشروع وطني واضح، ويحترم سيادة الدولة ومؤسساتها، قد يتحول إلى عبء جديد على الوطن مهما كانت شعاراته براقة.
المشهد الإقليمي والدولي يزيد الوضع تعقيداً أيضاً. فالسودان ليس بعيداً عن صراع المصالح الدولية والإقليمية، وهناك قوى عديدة تراقب المشهد وتحاول التأثير فيه بما يخدم مصالحها الخاصة. وهذا ما يجعل الحفاظ على القرار الوطني المستقل أمراً بالغ الأهمية في هذه المرحلة الحساسة.
ورغم كل هذه التحديات، فإن السودان ما زال يمتلك فرصة تاريخية للخروج من الأزمة إذا توفرت الإرادة الوطنية الصادقة. فالقوات المسلحة السودانية ما تزال تمثل العمود الفقري للدولة، والشعب السوداني رغم معاناته ما يزال متمسكاً بوحدة وطنه ورافضاً لمشاريع التقسيم والفوضى.
لكن النجاح في عبور هذه المرحلة يتطلب عدة أمور أساسية:
أولاً: توحيد السلاح تحت مظلة الدولة وعدم السماح بوجود أي قوة موازية خارج إطار القوات المسلحة.
ثانياً: إدارة ملف الاستسلامات بعقلية الدولة والقانون، بعيداً عن الانتقام أو التهاون.
ثالثاً: إطلاق مشروع وطني شامل لإعادة بناء الثقة والنسيج الاجتماعي بين أبناء السودان.
رابعاً: بناء خطاب إعلامي وطني مسؤول يحاinرب الشائعات وخطابات الكراهية والفتنة.
خامساً: تقديم مصلحة الوطن فوق الحسابات السياسية والقبلية والشخصية.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى صناعة أبطال جدد للحرب، بل يحتاج إلى صناعة وطن يتسع للجميع ويحمي الجميع. فالحروب مهما طالت لا تترك إلا الخراب، أما الأوطان فلا يحفظها إلا الوعي ووحدة الصف والعدل.
وفي النهاية، يبقى السؤال الكبير الذي يفرض نفسه على الجميع:
هل يتعلم السودانيون من دروس الحرب ويبنون دولة قوية موحدة؟
أم أن التشتت والتجاذبات ستقود البلاد إلى مرحلة أكثر خطورة؟
الإجابة ليست عند السياسيين وحدهم، ولا عند حملة السلاح فقط، بل عند كل سوداني يؤمن أن الوطن أكبر من المصالح، وأن السودان يستحق أن ينهض من تحت الركام موحداً آمناً مستقراً.
الثلاثاء١٢مايو ٢٠٢٦
وعاد ساجور انقطاع الكهرباء والمتضرر طلاب الشهادة المتوسطة
كنا قد استبشرنا خيرا ووصلنا إلي حالة من الارتياح علي خلفية اقتراب تشغيل محطة توليد الجنيد …





