إنهيار التمرد…تعدد الأسباب…ومطلوبات الاستسلام… والمواقف الاقليمية
قبل المغيب عبدالملك النعيم احمد

17 مايو 2026م
لا حديث هذه الأيام في جميع الأوساط السياسية والإجتماعية وحتي أحاديث المواطنين في لقاءاتهم العامة غير إنهيار الدعم السريع المتمرد علي الدولة وموجة استسلام قيادات كبيرة ومؤثرة فيه للقوات المسلحة وعودتها طواعية الي صفوف الوطن بكامل عدتها وعتادها الحربي والحرب مازالت تدور في كل اقليم دارفور وبعض ولايات كردفان شمالها وجنوبها وغربها وبعض اجزاء اقليم النيل الأزرق بفعل الاعتداءات القادمة من معسكرات التمرد ببني شنقول التي لا تبعد كثيرا عن حدود السودان مع أثيوبيا هذا بالطبع بالإضافة للمسيرات الاثيوبية الاماراتية التي انطلقت مؤخرا من بحر دار صوب مطار الخرطوم ليس لتعطيل حركة الطيران العالمية التي بدأت بالفعل بعد طول توقف لما يزيد عن الثلاث سنوات وانما ايضا بغرض ضرب الأمن والاقتصاد في وقت واحد وبث الرعب والخوف في نفوس المواطنين الموجودين بالداخل وايقاف تدفق السودانيين القادمين من الخارج حسب برامج العودة الطوعية من عدد من الدول التي فروا اليها السودانيين هاربين من جحيم الحرب في السودان…
عوامل داخلية وخارجية ساهمت في الانهيار والتآكل الداخلي الذي عصف بمليشيا الدعم السريع المتمردة…ولعل حرب الغنائم وتقسيمها بين مكونات الدعم السريع كانت سببأً كبيراً في هذا التصدع الداخلي فبخلاف التآمر الاقليمي والدولي علي السودان باستغلال المرتزقة وجنود الدعم السريع فإن النهب والسرقات لممتلكات المواطنين ومؤسسات الدولة الاقتصادية وتشريد المواطنين كان هدفاً رئيساً لهذه المليشيا ولا مجال لنكران هذا الهدف لذلك فالصراع حول ما نهبوه من المواطنين وتقسيمه كان واضحا وبيناً ثم تمييز آل دقلو لأبناء أسرتهم من المحاميد والرزيقات داخل صفوف التمرد قد أحدث غبناً كبيراً وجعل الكثير من القيادات التي لا تنتمي للقبيلة يبثون شكواهم علي الملأ ويتهمون عبدالرحيم دقلو بممارسة العنصرية والإقصاء لمن يخالفونه الرأي حتي وصل مرحلة التصفيات الجسدية والسجن للكثير من هذه القيادات…
من عوامل التفكك الداخلي للتمرد تعدد القيادات وغياب الرؤية وفقدان البوصلة لادارة العمليات والاتهامات التي اصبحت تطلق علي الملأ حتي وصلت لمرحلة اشتعال المعارك المسلحة بين افرادها كما حدث لجماعة عبدالعزيز الحلو بعد ان وضع يده مع المليشيا وسط رفض الكثيرين من انصاره من المقاتلين لهذه الخطوة ومثلما حدث في كاودا والدلنج…يأتي ايضاً ادانة امريكا للقوني شقيق الهالك حميدتي وتجميد حساباته كاحدي الضربات القاتلة لاسرة واموال آل دقلو مما أثر كثيرا علي ادارة الشأن المالي الداخلي الذي تتطلبه المعارك…
ضربات الجيش المتاالية لمعاقل التمرد ومقر حكومته المزعومة في نيالا والفاشر والجنينة وزالنجي وتدمير مخازن السلاح والعتاد الحربي قد أدي الي هروب القيادات وتشتت القواعد القتالية كما ان اهمال ضحايا الحرب من القبائل والمكونات الاخري قد بعث روح التمرد في معظم افراد المليشيا…
تأت قاصمة الظهر كأبرز عنصر للتآكل الداخلي للتمرد وهو هجوم آل دقلو علي ابناء عمومتهم في مستريحة مقر الشيخ موسي هلال وقتل المئات من اهلهم مستهدفين الشيخ موسي هلال الذي نجي بأعجوبة ووصل الي الدبة بعد ان فقد احد ابنائه والعشرات من الأسرة..هذا الأعتداء احدث شرخا واضحا داخل اسرة دقلو والذي علي اثره غادر اللواء النور القبة صفوف التمرد بعدته وعتاده غير آسف مستسلما للقوات المسلحة ومعلنا انضمامه الكامل للجيش وكشفه لادق تفاصيل التمرد واسباب انشقاقه وهو يعتبر الرجل الثالث بعد الهالك حميدتي وشقيقه عبدالرحيم في صفوف التمرد…
اما اهم العوامل الخارجية لانهيار المليشيا فهو التراجع الكبير للدعم الاماراتي لآل دقلو وبحثها عن حلفاء ومرتزقة آخرين ينفذون لها ما تريد لذلك لجأت لاستغلال دول بعينها الان في كينيا ويوغندا وجنوب السودان واثيوبيا بعد اشتداد الضغط علي حلفائها في ليبيا حفتر وتشاد..الصراعات بين القبائل المكونة للمليشيا المتمردة والخلاف بين اعضاء ماسمي بحكومة تأسيس كلها عوامل تضاف لاسباب التفكك والانهيار من الداخل للتمرد..
آخر موجات الاستسلام للمتمردين كان استسلام القائد علي رزق الله المشهور بالسافنا والتي تقول الاخبار انه قادم بل تصريحاته المسجلة تؤكد انه فعلا قد اعلن انشقاقه عن التمرد والانضمام الي الصف الوطني بكامل عدته وعتاده..
لا بد للنظر بايجابية لهذا التشظي والانقسام في صفوف المليشيا كما لابد من الترحاب بهذه القيادات الكبيرة في صفوف الجيش السوداني وواهم من يظن ان هذه الاستسلامات قد تمت بالصدفة وانما بالضرورة هو عمل استخباراتي مهني تغلغل داخل صفوف التمرد واحدث فيها ما نراه الآن…وبهذا الفهم لابد ان هناك حرصا وحذرا وخطة لتفادي اي ضرر يمكن ان يحدث للمواطن وللبلاد من جراء عودة مقاتلي التمرد مرة أخري…
أمران في غاية الأهمية يجب التعامل معهما بعد موجة الاستسلام هذه الأول هو بعث اعلي درجة من الإطمئنان في نفوس المواطنين من عودة انتهاكات التمرد مرة أخري وذلك بجملة من الترتيبات الأمنية تدركها القوات المسلحة وجهاز المخابرات العامة..
والأمر الثاني هو ادراك أن استسلام هؤلاء لا يعني نهاية الحرب كما لا يعني توقف اطماع دولة الامارات في السودان وهناك عدة شواهد منها فتح جبهتي بحر دار وبني شنقول في اثيوبيا ثم ادخال السلاح عبر افريقيا الوسطي الي نيالا مصحوباً بتآمر سياسي كبير يتمثل في تصريحات مسعد بولس الداعمة للامارات وتصريح الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريس الذي لم يذكر الامارات او اثيوبيا بالاسم في ادانته للهجوم رغم علمه للدولتين بالاسم..ثم البيان المشترك للجنة الاتحاد الإفريقي والامم المتحدة لحقوق الإنسان في اجتماعات الدورة 87 للجنة افريقيا في العاصمة القامبية بانجول والذي اعترض عليه وفد السودان لعدم موضوعيته وعدم عدالته في كيفية وطريقة جمع البيانات حول انتهاكات حقوق الإنسان في السودان
وأخيرا تجيئ الضربة القاضية للدبلوماسية السودانية من ذوي القربي وهو أشد مرارة بالطبع وذلك بصدور البيان الباهت الهزيل غير المنصف لجامعة الدول العربية في الاجتماع الأخير للمندوبين الدائمين للجامعة العربية الاحد والاثنين الماضيين والذي للأسف تم بطلب من السودان وليس بمبادرة من الجامعة العربية كما يقتضي الحال في هكذا اعتداءات علي دولة عضو ومؤسس حيث خلا البيان الختامي تماما من اي ادانة لاثيوبيا غير العضو دع عنك ان يدين الامارات التي كانت حاضرة في الاجتماع وادارته بحنكة واحكمت لوبياتها مع المندوبين ونجحت في ان تصدر الجامعة العربية البيان بالكيفية التي تريد حتي جاءت الانتقادات بان يطلق عليها جامعة الامارات العربية تقديرا لتأثيرها الكبير ونفوذها علي المنظمة العربية التي فقدت بوصلتها وفقد فيها السودان وجوده ودعمها له مما يستوجب التقييم وجدوي الحضور فيها….
من رحم الحرب يولد السلام… لا عودة للسلاح بعد اليوم
يمر السودان اليوم بمرحلة دقيقة تتطلب من الجميع التحلي بالحكمة والمسؤولية الوطنية، فالحروب …





