فراغ الاندفاع وثغرات الهجوم
أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

> في الدول المستقرة تُقاس المبادرات السياسية عادةً بنتائجها. أما في الدول التي تخرج من الحروب، فإن المبادرات تُقاس أولًا بمستوى الثقة الذي تحمله الجماهير تجاهها.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو دعوة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، إلى حوار وطني شامل لا يستثني أحدًا مجرد حدث سياسي عابر، بقدر ما تبدو اختبارًا حقيقيًا لحالة الرأي العام السوداني بعد سنوات الحرب والاستقطاب والانقسام.
فالمثير للاهتمام ليس الدعوة نفسها، وإنما الطريقة التي استقبلها بها السودانيون ، ذلك أن ردود الأفعال التي صاحبت الدعوة كشفت عن واقع نفسي وسياسي أكثر تعقيدًا من مجرد التأييد أو الرفض.
ففي اللحظة التي رأى فيها البعض أن الدعوة تمثل بداية جديدة نحو استعادة الدولة وتجاوز آثار الحرب، تعامل معها آخرون باعتبارها مجرد محاولة جديدة لإعادة إنتاج المشهد السياسي القديم ، وبين هذين الموقفين يقف قطاع واسع من السودانيين في منطقة حائرة، لا يريد أن يفرط في الأمل، ولا يرغب في الاستسلام للتشاؤم.
وهنا تبدأ #أصل_القضية.
إن المتأمل للمشهد يلاحظ أن الرأي العام السوداني يتحرك اليوم بين طرفين متناقضين.
● طرف يعيش ما يمكن وصفه بـ”فراغ الاندفاع”.
● وطرف آخر يتحرك داخل “ثغرات الهجوم العنيف”.
أما المساحة الواقعة بينهما، فهي المساحة التي يتشكل فيها مستقبل السودان. فالذين اندفعوا لتأييد الدعوة منذ لحظاتها الأولى لم يكونوا في الحقيقة يدافعون عن الحوار بقدر ما كانوا يعبرون عن شوقهم العميق للخروج من دوامة الحرب.
لقد أتعبتهم سنوات النزاع والنزوح والانهيار الاقتصادي، فأصبحوا يبحثون عن أي نافذة يمكن أن يدخل منها الضوء ، لكن الاندفاع، مهما كانت نواياه نبيلة، يحمل مخاطره الخاصة ، لأن تحويل أي مبادرة إلى مشروع خلاص كامل يرفع سقف التوقعات إلى مستويات قد تعجز الوقائع عن تلبيتها.
وعندما تصبح الأحلام أكبر من الإمكانيات، يتحول الأمل نفسه إلى مصدر جديد للإحباط.
في المقابل، ظهر تيار آخر اختار موقع الهجوم العنيف ، وهو تيار لا ينظر إلى الدعوة من زاوية ما يمكن أن تحققه، وإنما من زاوية ما يخشى أن تخفيه. فأصحاب هذا الاتجاه يستحضرون تجارب سابقة من الحوارات والتسويات والاتفاقات التي انتهت دون أن تحقق الاستقرار المنشود ، ولذلك فهم يتعاملون مع أي دعوة جديدة باعتبارها مشروعًا للفشل قبل أن تبدأ.
وقد يكون لهذا الموقف ما يبرره في ظل تراكم الخيبات الوطنية ، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الشك المشروع إلى يقين مطلق، ويتحول النقد من أداة للتصحيح إلى أداة للإعدام السياسي المسبق.
○ فلا شيء يُختبر.
○ ولا شيء يُمنح فرصة.
○ولا شيء يُقاس بمعايير موضوعية.
غير أن القراءة الاستراتيجية للمشهد تكشف أن القضية أعمق من مجرد اختلاف في المواقف إذ أن تحليل ما قدمه الفريق أول البرهان لا يأتي فقط في إطار البحث عن توافق سياسي، بل يسعى كذلك إلى إدارة التناقضات التي أفرزتها سنوات الصراع ، وهنا ينبغي التوقف قليلًا
● ففي البيئات المستقرة تُدار المصالح.
● أما في البيئات المضطربة فتُدار التناقضات.
والسودان اليوم يواجه شبكة معقدة من التناقضات المتداخلة.
○ تناقضات بين المركز والأطراف.
○ وبين المدني والعسكري.
○ وبين القوى التقليدية والقوى الجديدة.
○ وبين ضرورات العدالة ومتطلبات الاستقرار.
○ وبين ذاكرة الحرب وحاجة المستقبل.
وفي مثل هذه البيئات لا يكون الهدف دائمًا هو إزالة التناقضات دفعة واحدة، لأن ذلك قد يكون مستحيلًا. بل يصبح الهدف هو منع هذه التناقضات من التحول إلى صراعات مدمرة تهدد بقاء الدولة نفسها.
ومن هنا يمكن فهم دعوة الحوار من زاوية مختلفة ، ليس باعتبارها نهاية للتناقضات، بل باعتبارها محاولة لنقلها من ساحات المواجهة إلى ساحات النقاش.
غير أن نجاح هذه المقاربة يظل مرهونًا بسؤال جوهري.
> هل ستبقى إدارة التناقضات مجرد وسيلة لتأجيل الأزمات؟
> أم أنها ستتحول إلى مدخل حقيقي لبناء توافقات وطنية مستدامة؟
هذا هو السؤال الذي يشغل الرأي العام السوداني اليوم، حتى وإن لم يُطرح بهذه الصيغة.
ومن منظور “الجسر والمورد”، فإن قيمة الحوار لا تكمن في عدد المشاركين فيه، ولا في حجم الضجيج الإعلامي الذي يرافقه. بل في قدرته على تحويل التنوع السوداني من مصدر صراع إلى مصدر قوة. فالسياسة ليست فن جمع المختلفين داخل قاعة واحدة. بل فن بناء مشروع يجعل المختلفين قادرين على التعايش داخل دولة واحدة.
وهنا يبدو أن الرأي العام السوداني يعيش حالة يمكن تسميتها بـ”الحذر المتعب”. فالحرب جعلت الناس أكثر توقًا للسلام ، لكنها جعلتهم أكثر تحفظًا تجاه الوعود.
● يريدون الحوار، لكنهم يخشون تكرار التجارب القديمة.
● ويريدون التسوية، لكنهم لا يريدون تسوية تُنتج أزمة جديدة.
● ويريدون المستقبل، لكنهم ما زالوا يحملون أوجاع الماضي.
ولهذا فإن التحدي الأكبر أمام أي حوار وطني قادم لن يكون في جمع الأطراف المختلفة حول الطاولة. بل في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع ، وبين القوى السياسية نفسها ، وبين السودانيين بعضهم وبعض ، فالثقة هي المورد الاستراتيجي الأكثر ندرة في السودان اليوم. وأي مشروع وطني لا ينجح في إنتاجها سيظل مشروعًا ناقصًا مهما كانت شعاراته براقة.
ولذلك فإن دعوة الحوار تمثل، في جوهرها، أكثر من مجرد مبادرة سياسية. إنها مؤشر إنذار مبكر يكشف درجة استعداد السودانيين للانتقال من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة إدارة المستقبل. فإذا نجحت في تحويل التناقضات إلى توازنات، والخلافات إلى تفاهمات، والشكوك إلى ثقة متدرجة، فإنها قد تصبح نقطة تحول في تاريخ الدولة السودانية. أما إذا بقيت أسيرة فراغ الاندفاع من جهة، وثغرات الهجوم العنيف من جهة أخرى، فإنها ستتحول إلى محطة أخرى في سجل الفرص الضائعة.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الانتصارات الخطابية. ولا إلى مزيد من المعارك الكلامية. إنه يحتاج إلى شجاعة سياسية قادرة على تحويل التناقضات إلى جسور، وتحويل الاختلافات إلى موارد وطنية، وتحويل الحوار من حدث عابر إلى عقد اجتماعي جديد.
> فالحروب قد تُنهيها القوة ،لكن الأوطان لا يبنيها إلا التوافق.
وهنا بالضبط #أصل_القضية.
لأول مرة بعد ثلاث سنوات من الحرب أشواق الصحفيين تتفجر مودة خلال معايدة عيد الأضحى
لأول مرة بعد ثلاث سنوات من الحرب، احتشد عشرات الصحفيين، حاملين بين ضلوعهم الأشواق والمودة …





