أمننا الغذائي تحت الحصار
وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

شارك وفد السودان برئاسة وزير المالية د. جبريل إبراهيم الأسبوع الماضي، في اجتماعات مجلس محافظي البنك الأفريقي للتنمية بالعاصمة الكونغولية برازافيل، والتي ناقشت قضايا تمويل التنمية، وتعزيز الإنتاج الزراعي، وتقوية سلاسل الإمداد، وتوسيع الشراكات الاستثمارية، مع اهتمام خاص بدعم الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات. وأكد الوزير في كلمته أهمية مراعاة الفوارق الاقتصادية بين الدول الأعضاء، واعتماد آليات تمويل أكثر عدالة ومرونة تدعم جهود الاستقرار والتنمية.
لا يمكن قراءة هذه المشاركة وهذا الحدث المهم بمعزل عن الواقع الراهن في السودان ، الذي يقف عند مفترق طرق بين ثلاثة مسارات متداخلة : أزمة الإنتاج الزراعي بفعل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وضغوط إجتماعية واقتصادية فرضتها الحرب، وتحذيرات مناخية حديثة تنذر باحتمال انخفاض معدلات هطول الأمطار خلال موسم الخريف الحالي.
فعلى المستوى العالمي، تسبب إغلاق مضيق هرمز أواخر فبراير 2026 في اضطرابات واسعة بسلاسل التجارة والإمداد، خاصة الوقود والأسمدة ومدخلات الإنتاج، باعتباره ممراً حيوياً لحركة الشحن العالمية. وانعكس ذلك في ارتفاع أسعار الغذاء وتذبذب الإمدادات، بينما يعتمد السودان على الواردات لتغطية جانب مهم من احتياجاته من الأسمدة. ومع اقتراب الموسم الزراعي، تحولت الأزمة، إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي في البلاد.
غير أن الصورة الأكثر تعقيداً تتكشف من خلال البعد المناخي. فوفقاً للنشرة الرسمية الصادرة الأسبوع الماضي عن منتدى المناخ الإقليمي للقرن الأفريقي الكبير (GHACOF73) عبر مركز التنبؤات المناخية (ICPAC )التابع للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن هناك احتمالية مرتفعة لتسجيل موسم أمطار دون المعدلات الطبيعية خلال الفترة من يونيو إلى سبتمبر 2026 في أجزاء واسعة من شمال القرن الأفريقي، بما في ذلك السودان.
وتكتسب هذه الإشارة خطورتها من طبيعة هذا الموسم، إذ تمثل هذه الفترة ما يقارب 80% من إجمالي الأمطار السنوية في أجزاء واسعة من البلاد، ما يعني أن أي انخفاض في معدلات الهطول سينعكس مباشرة على الزراعة المطرية، والثروة الحيوانية، والموارد المائية، و استقرار الغذاء.
الأخطر أن هذا التحذير يأتي مستندًا إلى مقارنات مع فترات مناخية سابقة شهدت ضعفاً في الأمطار، ما يعزز من جدية السيناريو المطروح. بالنظر إلي أن السودان يدخل هذا الموسم وهو مثقل بآثار الحرب، وضعف البنية الإنتاجية، وارتفاع تكاليف التشغيل، ما يجعل القدرة محدودة في التعامل.
في ظل هذه المعطيات، فإن الحديث عن الأمن الغذائي السوداني، يصبح قضية أمن قومي بامتياز. فالموسم الزراعي في بلادنا ليس نشاطاً إنتاجياً عادياً، بل هو خط الدفاع الأول ضد الجوع والفقر والاستقرار الاجتماعي.
ومن هنا فإن ما طُرح في اجتماعات برازافيل حول دعم الإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد، يكتسب دلالة خاصة حين يُقرأ من الزاوية السودانية. فالسودان لا يطلب دعماً ظرفياً، بل يُختبر جدية النظام الإقليمي والدولي في حماية الدول القادرة على الإنتاج حين تتعرض لضغوط والتحديات.
وفي هذا السياق، هناك رسائل مباشرة ومهمة نرسلها إلى جهات محلية وإقليمية ودولية.. إلى البنك الأفريقي للتنمية: إن دعم السودان في هذه المرحلة يجب أن ينتقل من الإطار التنموي العام إلى التدخلات الاستثنائية العاجلة لتأمين مدخلات الإنتاج الزراعي، باعتبار أن حماية الموسم الزراعي تعني حماية الاستقرار الإقليمي.
إلى الشركاء الدوليين والمانحين : إن تمويل الزراعة في السودان اليوم هو الخيار الأقل تكلفة والأكثر فاعلية مقارنة بتكلفة الاستجابة للأزمات الإنسانية بعد تفاقمها. فالوقاية في أهمية تدارك الأزمات قبل حدوثها.
إلى المؤسسات المناخية والإنذار المبكر: إن ربط التحذيرات المناخية بالسياسات الزراعية الوطنية وحفزها بات ضرورة عاجلة، لأن المعلومات المبكرة لا قيمة لها إذا لم تتحول إلى قرارات عملية في الوقت المناسب.
إلى الحكومة السودانية ممثلة في وزارة الزراعة والري : إن إدارة الموسم الزراعي يجب أن تُعامل كملف طوارئ وطني، يدار عبر تنسيق كامل بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، وبأعلى درجات الجاهزية والحسم.
ما زالت الفرصة قائمة لتدارك الأزمة عبر إجراءات عاجلة تشمل تسريع توفير مدخلات الإنتاج ،عبر وزارة المالية وتوجيه الموارد نحو المناطق الزراعية الأكثر إنتاجاً، وإنشاء آلية مشتركة لمتابعة الإمدادات حتى نهاية الموسم ، بالتوازي مع وضع خطة وطنية تقلل الاعتماد على الواردات مستقبلاً. إن نجاح الموسم الزراعي لم يعد شأناً يخص المزارعين وحدهم، بل أصبح قضية أمن قومي ترتبط بالغذاء والاستقرار والتعافي الاقتصادي.
ويبقى السؤال المطروح بحسب #وجه_الحقيقة على السودان وشركائه الإقليميين والدوليين : هل يُترك هذا البلد ليواجه المخاطر منفرداً، أم يقدم له العون باعتباره ركناً أساسياً في معادلة الأمن الغذائي الأفريقي؟ فاستقرار الإنتاج الزراعي في السودان، جزءاً من استقرار الاقليم بكامله.
دمتم بخير وعافية.
الثلاثاء 2 يونيو 2026 م Shglawi55@gmail.com
السودان… من أسطورة الصمود إلى يقين المستقبل.
بعد هذا الصمود الأسطوري الذي سطرته الدولة. السودانية في مواجهة واحدة من أعقد المؤامرات الد…





