التحية للشرطة السودانية.. أن تأتي متأخرًا… خيرٌ من ألا تأتي
كلمة ونص سبناشعبان

هناك قرارات لا تُقاس أهميتها بموعد صدورها، وإنما بالأثر الذي تتركه في حماية الوطن وصون أمنه. وملف الوجود الأجنبي واحد من تلك الملفات التي طال انتظار الحسم فيها، حتى جاءت الحرب لتؤكد أن الأمن لا يحتمل التأجيل، وأن تطبيق القانون ليس خيارًا، بل ضرورة تفرضها مصلحة الدولة.
ومن هذا المنطلق، كنت من الذين وجهوا اللوم مرارًا للجهات المختصة، وعلى رأسها الشرطة، لعدم التشدد في تطبيق الإجراءات المنظمة للوجود الأجنبي. ولم يكن ذلك اعتراضًا على وجود الأجانب في السودان، فالسودان ظل عبر تاريخه بلدًا عرف بالتسامح وحسن الضيافة، وإنما كان انطلاقًا من قناعة راسخة بأن سيادة الدولة تبدأ من احترام قوانينها، وأن لكل دولة الحق في معرفة من يدخل أراضيها، وكيف يقيم فيها، وما طبيعة نشاطه.
ولكي أكون منصفة، فإنني لا أنكر أن السودان يمتلك من القوانين واللوائح ما يكفي لتنظيم الوجود الأجنبي، كما لا أغفل الجهود التي بذلتها الشرطة في هذا الملف عبر السنوات الماضية. لكن التجارب أثبتت أن قوة القانون لا تُقاس بجمال نصوصه، وإنما بصرامة تطبيقه. واليوم، وفي ظل ما أفرزته الحرب من تحديات أمنية وتعقيدات غير مسبوقة، لم يعد كافيًا أن تكون اللوائح موجودة، بل أصبح من الضروري تفعيلها بصورة أكثر دقة وحزمًا، مع إحكام الرقابة والمتابعة الميدانية، حتى تُغلق كل الثغرات التي قد تُستغل للإضرار بأمن البلاد واستقرارها.
لقد كشفت الحرب كثيرًا من الحقائق، وأثبتت أن التراخي في بعض الملفات قد تكون كلفته باهظة. كما أعلنت السلطات في مناسبات مختلفة عن ضبط عناصر أجنبية متورطة في مخالفات أو في أنشطة مرتبطة بالنزاع، الأمر الذي عزز القناعة بأن تنظيم الوجود الأجنبي لم يعد مجرد ملف إداري، بل أصبح جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن القومي.
واليوم، ونحن نتابع الحملات الميدانية التي تنفذها الشرطة لضبط الوجود الأجنبي، وتقنين أوضاع المقيمين بصورة قانونية، واتخاذ الإجراءات بحق المخالفين، فإننا نقول بوضوح إن هذه الجهود تسير في الاتجاه الصحيح، وتستحق الإشادة والدعم. فهي تعكس جدية في إنفاذ القانون، وتعزز هيبة الدولة، وتؤكد أن الجميع سواء أمام الأنظمة واللوائح.
نعم… كنا نتمنى أن تبدأ هذه الإجراءات قبل سنوات، وأن يُفعّل هذا الملف بالحزم نفسه منذ وقت مبكر، لأن كثيرًا من التحديات كان يمكن الحد منها. لكن ذلك لا يمنعنا اليوم من الاعتراف بأن ما تقوم به الشرطة يمثل تصحيحًا لمسار مهم، وأن من الواجب تشجيع كل خطوة تعزز أمن الوطن وتحمي استقراره.
ويبقى الأمل أن تتحول هذه الحملات إلى نهج مؤسسي دائم، لا يرتبط بظرف أو أزمة، وأن يستمر تطبيق القانون بعدالة وحزم على الجميع، مع احترام حقوق كل مقيم بصورة مشروعة، وفي الوقت نفسه عدم التهاون مع أي مخالفة تمس أمن البلاد أو مصالحها العليا.
فالشرطة، وهي تضطلع اليوم بهذا الدور الوطني، لا تحمي حدود القانون فحسب، بل تعيد ترسيخ هيبة الدولة وثقة المواطنين في مؤسساتها. وإن دعم هذه الجهود لا يتعارض مع النقد الذي وجهناه بالأمس، لأن النقد المسؤول لا يبحث عن تسجيل المواقف، وإنما عن تصحيح المسار.
ولذلك، فإنني أقولها بكل قناعة: كان الأولى أن يحدث ذلك بالأمس، لكنه ما دام قد بدأ اليوم، فإننا نردد المثل الذي يلخص الموقف كله: “أن تأتي متأخرًا… خيرٌ من ألا تأتي”.
من الهالوجينات الملونة ماء غير آسن
الماء هذا الشراب الطاهر العذب ، الزلال ، الفرات ، فهو مباركا ، ثجاجا ، معينا مسكوبا ، منهم…





