من المراعي إلى الأمن القومي.. لماذا يجب أن تُنصف الدولة الرحّل والرعاة؟
حديث الساعة الهام سالم منصور

قضية وطنية تتجاوز حدود الخدمات والتنمية لتصبح ركيزة للاستقرار الاجتماعي والأمن القومي وبناء السودان الجديد
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار السودانيين نحو قضايا الحرب وإعادة الإعمار وترتيبات المرحلة المقبلة، تظل هناك ملفات وطنية بالغة الأهمية لم تنل ما تستحقه من الاهتمام، رغم ارتباطها المباشر باستقرار الدولة ووحدة المجتمع وأمن البلاد. ومن بين هذه الملفات تبرز قضية الرحّل والرعاة باعتبارها واحدة من أكثر القضايا تأثيراً في الواقع السوداني، ليس من الجانب الاقتصادي فحسب، بل من الجوانب الاجتماعية والأمنية والسياسية أيضاً.
لقد ظل الرحّل والرعاة عبر تاريخ السودان الطويل جزءاً أصيلاً من نسيجه الاجتماعي، وساهموا في بناء الاقتصاد الوطني من خلال المحافظة على الثروة الحيوانية التي تمثل أحد أهم موارد البلاد الاستراتيجية. ورغم هذا الدور الكبير، ما زالت هذه الشريحة تعاني من ضعف الخدمات الأساسية وغياب التخطيط التنموي الذي يراعي خصوصية حياتها وطبيعة نشاطها الاقتصادي.
إن الخطأ الذي وقعت فيه الحكومات المتعاقبة يتمثل في النظر إلى قضايا الرحّل والرعاة باعتبارها قضايا موسمية أو محلية محدودة الأثر، بينما أثبت الواقع أنها قضايا ترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي والاستقرار الاجتماعي. فالكثير من النزاعات التي شهدتها مناطق السودان المختلفة بدأت بخلافات بسيطة حول مسارات الرعي أو مصادر المياه أو حدود المراعي، ثم تطورت بسبب غياب المعالجات الجادة إلى صراعات واسعة خلفت آثاراً اجتماعية واقتصادية وأمنية كبيرة.
ومن هنا فإن الدولة مطالبة بإعادة تعريف هذا الملف باعتباره قضية أمن قومي لا تقل أهمية عن القضايا السياسية والعسكرية. فالأمن لا يتحقق بالسلاح وحده، وإنما يتحقق أيضاً بالعدالة والتنمية وتوفير الخدمات ومنع أسباب النزاعات قبل وقوعها.
الرعاة والرحّل.. حراس الثروة القومية
عندما نتحدث عن الرعاة فإننا نتحدث عن الشريحة التي تحمل على عاتقها مسؤولية المحافظة على ملايين الرؤوس من الثروة الحيوانية المنتشرة في أنحاء السودان. هذه الثروة تمثل مورداً اقتصادياً ضخماً يمكن أن يكون أحد أعمدة نهضة السودان الاقتصادية إذا ما تم استثماره بصورة صحيحة.
لكن الواقع يكشف عن معاناة مستمرة تتمثل في ضعف الخدمات البيطرية وقلة مراكز التسويق الحديثة وانعدام البنية التحتية اللازمة لتطوير هذا القطاع الحيوي. ورغم أن الرعاة يسهمون بصورة مباشرة في دعم الاقتصاد الوطني، فإن نصيبهم من التنمية والخدمات ظل أقل بكثير من حجم عطائهم ومساهمتهم.
التهميش وصناعة الأزمات
إن تجاهل قضايا الرحّل والرعاة لا يؤدي فقط إلى حرمانهم من حقوقهم، بل يفتح الباب أمام مشكلات أكبر تهدد المجتمع كله. فحين يشعر المواطن بالتهميش وغياب العدالة تتولد حالة من الاحتقان يمكن أن تستغلها جهات مختلفة لإشعال النزاعات وتأجيج الصراعات.
ولذلك فإن الاهتمام بهذه الشريحة يمثل استثماراً في الاستقرار الوطني قبل أن يكون استجابة لمطالب خدمية أو تنموية. فكل مدرسة تُبنى، وكل مصدر مياه يُوفر، وكل مسار رعي يُنظم ويحفظ بالقانون، هو خطوة إضافية نحو تعزيز الأمن والاستقرار.
الإدارة الأهلية شريك في الحل
لا يمكن الحديث عن معالجة قضايا الرحّل والرعاة دون الإشارة إلى الدور الوطني الكبير الذي تضطلع به الإدارات الأهلية. فهي تمتلك الخبرة والمعرفة بطبيعة المجتمعات المحلية، ولها تاريخ طويل في حل النزاعات واحتواء الخلافات قبل أن تتفاقم.
ومن هنا فإن أي استراتيجية وطنية ناجحة يجب أن تقوم على الشراكة الحقيقية بين الدولة والإدارة الأهلية، بحيث يتم الاستفادة من خبراتها في تنظيم المسارات، وتسوية النزاعات، وتعزيز ثقافة التعايش السلمي بين الرعاة والمزارعين.
من الخدمات إلى المواطنة الكاملة
إن قضية الرحّل والرعاة ليست قضية مياه أو مراعي فقط، وإنما هي قضية مواطنة كاملة الحقوق. فمن حق أبناء الرحّل الحصول على التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية مثلهم مثل أي مواطن سوداني آخر.
وتقتضي العدالة أن تتبنى الدولة برامج تعليمية وصحية تتناسب مع طبيعة حياة الرحّل، بما في ذلك المدارس المتنقلة والعيادات المتحركة والخدمات البيطرية الميدانية، حتى لا يكون التنقل سبباً في الحرمان من الحقوق الأساسية.
ما المطلوب من الدولة؟
أولاً: إنشاء مفوضية أو مجلس قومي مختص بقضايا الرحّل والرعاة.
ثانياً: حصر وتوثيق مسارات الرعي وحمايتها بالقانون.
ثالثاً: التوسع في إنشاء مصادر المياه والحفائر والسدود الصغيرة على طول المسارات.
رابعاً: توفير التعليم والخدمات الصحية المتنقلة.
خامساً: تطوير قطاع الثروة الحيوانية وربطه بالأسواق العالمية.
سادساً: دعم الإدارة الأهلية وتمكينها من أداء دورها الوطني.
سابعاً: وضع خطط استراتيجية لتوطين الراغبين في الاستقرار دون الإضرار بحقوق الآخرين.
ثامناً: تكوين لجان متخصصة لدراسة المشكلات المحلية قبل تحولها إلى أزمات أمنية أو اجتماعية.
رسالة إلى صناع القرار
إن السودان وهو يعبر نحو مرحلة جديدة من تاريخه يحتاج إلى معالجة جذور المشكلات لا مظاهرها فقط. وقضية الرحّل والرعاة واحدة من تلك القضايا التي ظلت مؤجلة لسنوات طويلة حتى أصبحت مصدراً لكثير من التعقيدات والتحديات.
إنصاف هذه الشريحة ليس مجاملة لأحد، وليس استجابة لضغوط أو مطالب فئوية، وإنما هو واجب وطني واستحقاق قانوني وأخلاقي. فالدولة القوية هي التي تصل بخدماتها إلى أبعد مواطنيها، وتحفظ حقوقهم، وتمنع أسباب التهميش والغبن قبل أن تتحول إلى أزمات.
الخاتمة
إن الرعاة والرحّل ليسوا مجرد فئة اجتماعية تبحث عن الخدمات، بل هم شركاء في بناء الوطن وحراس لثروة قومية عظيمة ومكون أصيل من مكونات المجتمع السوداني. وإن بناء السودان الجديد يتطلب رؤية عادلة لا تستثني أحداً، وتنمية متوازنة تصل إلى كل مواطن أينما كان.
فمن المراعي تبدأ التنمية، ومن العدالة يتحقق الاستقرار، ومن إنصاف الرحّل والرعاة يُبنى جزء مهم من الأمن القومي السوداني.
حفظ الله السودان أرضاً وشعباً، وجعل العدالة والإنصاف أساساً لوحدته واستقراره ونهضته القادمة.
الثلاثاء ٢يونيو٢٠٢٦
السودان… من أسطورة الصمود إلى يقين المستقبل.
بعد هذا الصمود الأسطوري الذي سطرته الدولة. السودانية في مواجهة واحدة من أعقد المؤامرات الد…





