السودان… من أسطورة الصمود إلى يقين المستقبل.
إتجاه البوصلة الجزولي هاشم

بعد هذا الصمود الأسطوري الذي سطرته الدولة. السودانية في مواجهة واحدة من أعقد المؤامرات الدولية والإقليمية التي استهدفت وجودها ووحدتها واستقرارها، بات من الضروري أن يعيد العالم قراءة السودان بعين الحقيقة لا بعين الأوهام، وأن يقتنع بأن هذا الوطن يمتلك من عناصر القوة ما يجعله قادراً على تجاوز المحن مهما عظمت التحديات.
كما آن الأوان للسودانيين أنفسهم أن يزدادوا ثقةً في قدراتهم الوطنية، وأن يؤمنوا بأن الحوار السوداني–السوداني ليس مجرد خيار سياسي، بل هو الطريق الأقصر والأكثر أمناً نحو الاستقرار وبناء المستقبل.
لقد ظل الرهان على إضعاف السودان وإرباك بوصلته الاستراتيجية حاضراً في كثير من التحليلات التي صاحبت الأزمة. وسعت أطراف عديدة إلى رسم صورة قاتمة للمشهد، تقوم على أربعة مرتكزات: غياب الرؤية الاستراتيجية، وتهديد الأمن القومي، وفقدان السيطرة على الأرض، وانهيار الموسم الزراعي بما يقود إلى الجوع والمجاعة. وعندما تُجمع هذه العناصر في معادلة واحدة، يصبح التدخل الأجنبي – في نظر أصحاب تلك الأطروحات – أمراً مبرراً بل وحتمياً.
غير أن أصحاب هذه الرؤية أخطأوا في قراءة السودان، لأنهم نظروا إلى الجغرافيا ولم ينظروا إلى الإنسان، وقرأوا الأرقام ولم يقرأوا التاريخ، وحللوا الوقائع المجردة ولم يدركوا سرّ هذا الشعب الذي اعتاد أن يحول المحن إلى فرص، والأزمات إلى بدايات جديدة.
فالسودان ليس دولة طارئة على التاريخ، ولا مجتمعاً هشاً يمكن أن تسقطه العواصف. إنه وطن تشكل عبر قرون طويلة من التحديات، واختبرته الأزمات مرات عديدة، فكان في كل مرة يخرج أكثر صلابة وقدرة على النهوض. ولذلك فإن من يراهن على انهياره يتجاهل حقيقة ثابتة تقول إن هذا الشعب يمتلك مخزوناً هائلاً من الصبر والإرادة والتماسك الوطني.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كم مرة راهن الآخرون على سقوط السودان؟ وكم مرة تبددت تلك الرهانات أمام إرادة شعبه؟ إن الأمم العظيمة لا تُعرف في أوقات الرخاء، وإنما تُعرف في ساعات الشدة، والسودان يخوض اليوم واحدة من أصعب تلك الساعات، لكنه ما زال واقفاً، يقاتل من أجل بقائه، ويحمي دولته، ويتمسك بسيادته، ويثبت للعالم أن قوة الأوطان لا تُقاس بحجم التحديات التي تواجهها، بل بقدرتها على الصمود أمامها.
لقد أثبتت الوقائع أن كل التنبؤات بالانهيار الشامل كانت مجرد أوهام، وأن كل الرهانات على تفكك الدولة وذوبان مؤسساتها تحطمت أمام حقائق الميدان. كما أثبتت التجربة أن الحلول المستوردة لا تستطيع بناء وطن، وأن إرادة الخارج مهما بلغت لا يمكن أن تكون بديلاً عن إرادة الداخل.
ومن هنا تتجه البوصلة الوطنية نحو الحقيقة الأكثر وضوحاً وثباتاً: الحوار السوداني–السوداني هو الحل.
فحين تتعطل البوصلات السياسية وتتشابك المصالح وتتعدد الأجندات، تبقى بوصلة الوطن هي الأصدق والأكثر أمناً. أبناء السودان، مهما اختلفت رؤاهم ومواقفهم، هم الأقدر على فهم واقعهم، والأحرص على مستقبل بلادهم، والأجدر بصناعة توافق وطني يحفظ الدولة ويصون وحدتها.
إن السودان لا يحتاج إلى أوصياء، ولا إلى مزيد من الرهانات الأجنبية، بل يحتاج إلى توسيع مساحات التوافق الوطني، وإعلاء قيمة الحوار، وترسيخ الثقة في الذات السودانية. فالحوار ليس تنازلاً، وإنما قوة؛ وليس هروباً من المواجهة، بل مواجهة مسؤولة لمستقبل الوطن.
وإذا كانت بعض القوى قد راهنت على إضعاف السودان، فإن السودان ردّ عليها بصموده. وإذا كانت بعض الأصوات قد بشّرت بالانهيار، فإن الواقع ردّ عليها ببقاء الدولة. وإذا ظن البعض أن إرادة السودانيين قد انكسرت، فإن الأيام أثبتت أن جذوة الوطنية ما زالت مشتعلة في القلوب.
إن اتجاه البوصلة اليوم يجب أن يكون واضحاً لا لبس فيه: نحو الثقة بالقدرات السودانية، ونحو تعزيز الوحدة الوطنية، ونحو الحوار السوداني–السوداني، ونحو بناء دولة قوية مستقرة تستوعب جميع أبنائها.
فما بين أوهام الانهيار التي يرددها البعض، وحقائق الصمود التي يصنعها الواقع كل يوم، يقف السودان شامخاً كعادته، يكتب فصلاً جديداً من فصول البقاء، ويؤكد أن الأمم التي تؤمن بنفسها لا تهزمها المؤامرات، ولا تكسرها الأزمات.
وسيظل السودان أكبر من المؤامرات، وأقوى من التحديات، وأبقى من كل الرهانات الخاسرة.
فالبوصلة تشير دائماً إلى الشمال، أما بوصلة السودان فتشير دائماً إلى إرادة شعبه.
(والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
نقابة المحامين السودانيين تثمن مبادرات نقابة مصر لخدمة المحامين السودانيين
اشاد عثمان محمد الشريف نقيب المحامين السودانيين في رسالة تهنئة بمواقف نقابة المحامين المصر…





