‫الرئيسية‬ مقالات سراب تأسيس السياسي
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

سراب تأسيس السياسي

محجوب أبوالقاسم 

في ظل التعقيدات التي تشهدها الساحة السودانية أعلنت ما تسمى بحكومة تأسيس تشكيل مجلس للأمن والدفاع في خطوة سعت من خلالها إلى إظهار نفسها ككيان يمتلك مؤسسات حكم وهياكل دولة قادرة على إدارة المشهد السياسي والعسكري. غير أن هذا الإعلان وفق كثير من القراءات السياسية لا يبدو أنه يضيف واقع جديد على الأرض بقدر ما يعكس محاولة لإضفاء مظهر الدولة على مشروع يواجه تحديات متزايدة تتعلق بالشرعية والفاعلية والقدرة على البقاء.

 

فالمجالس الأمنية والدفاعية في أي دولة تستمد قوتها وفاعليتها من وجود مؤسسات دستورية راسخة وأجهزة نظامية قادرة على تنفيذ القرارات وحماية الحدود وحفظ الأمن والاستقرار أما في حالة ما يسمى بتأسيس فإن الواقع يختلف بصورة جوهرية إذ لا تتوافر المقومات الأساسية التي تمنح مثل هذه المجالس شرعيتها وقدرتها على التأثير الفعلي في مجريات الأحداث.

 

ومن هذا المنطلق فإن الإعلان عن تشكيل مجلس للأمن والدفاع لا يغير كثير من المعادلات القائمة خاصة في ظل غياب الاعتراف الدولي والإقليمي بهذه الحكومة فضلا عن محدودية قدرتها على فرض سلطة مستقرة أو إدارة مؤسسات دولة حقيقية، لذلك يبدو أن الهدف الأساسي من الخطوة يتجاوز البعد المؤسسي إلى أبعاد سياسية وإعلامية تستهدف مخاطبة انصارها ورفع معنوياتهم إلى جانب إرسال رسائل للخارج والداخل بأن المشروع ما زال قائم وقادر على الاستمرار.

 

غير أن الوقائع الميدانية ترسم صورة مغايرة فالانقسامات المتسارعة داخل المليشيا وحالات الانشقاق المتكررة إضافة إلى النزاعات القبلية التي برزت بين مكوناتها المختلفة كلها مؤشرات تعكس حجم التحديات التي تواجههم.

 

فإن تشكيل المجلس أقرب إلى كونه تكتيك سياسي وإعلامي يهدف إلى المحافظة على صورتهم المشوهة وإظهار قدر من التماسك أكثر من كونه خطوة مؤسسية قادرة على صناعة واقع جديد .

 

وفي المقابل فإن التطورات العسكرية على الأرض تشير إلى أن القوات المسلحة والقوات المساندة لها من مختلف التشكيلات الوطنية ما تزال تمتلك زمام المبادرة والقدرة على مواصلة عملياتها حتى تحقيق أهدافها المعلنة. كما أن حالة التراجع التي تعاني منها المليشيا وحلفاؤها تجعل الرهانات على ما يسمى بمشروع تأسيس أقرب إلى الأمنيات السياسية منها إلى الوقائع العملية خاصة في ظل القناعة المتزايدة بأن القوات النظامية والقوى المساندة لها قادرة على حسم التمرد وإنهاء أحلام هذا المشروع ومن يقفون خلفه من المرتزقة في المستقبل القريب، بما يعيد ترسيخ سلطة الدولة ومؤسساتها على كامل تراب أرض الوطن .

 

وفي المحصلة فإن إعلان تشكيل مجلس الأمن والدفاع أقرب إلى محاولة لإنعاش مشروع يواجه حالة من التآكل والضعف السياسي والعسكري.

وبينما تسعى هذه الخطوة إلى تقديم صورة توحي بوجود سلطة بديلة فإن المعطيات الميدانية والسياسية تشير إلى أن الحكومة القائمة والمعترف بها إقليميا ودوليا ما تزال الطرف الذي يمتلك مقومات الدولة ومؤسساتها الرسمية الأمر الذي يجعل إعلان تأسيس أقرب إلى سراب سياسي منه إلى تحول حقيقي في المشهد على ارض الواقع.

 

ولنا عودة

 

٣ يونيو ٢٠٢٦م

‫شاهد أيضًا‬

إنها بندقية السودان… وكفى

ليس أخطر على الأوطان من أولئك الذين يحاولون تزوير طبيعة المعارك الكبرى، وإلباسها أثواباً غ…