نزاهة القضاء السوداني.. حصن العدالة في أوقات السلم والحرب
عمر سيكا

الحمد لله الذي أمر بالعدل والإحسان، وجعل إقامة الحق من أعظم مقاصد الشرائع، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ القائل: «القضاة ثلاثة، واحد في الجنة واثنان في النار»، لما في القضاء من عظيم المسؤولية وجليل الأمانة.
يظل القضاء السوداني واحداً من أبرز المؤسسات الوطنية التي حافظت على مكانتها وهيبتها عبر عقود طويلة، مستنداً إلى إرث قضائي راسخ امتد لأكثر من قرن من الزمان، حتى أصبح القاضي السوداني مضرب المثل في النزاهة والكفاءة والاستقلالية داخل السودان وخارجه.
لقد عُرفت المدرسة القضائية السودانية بتميزها الفريد في الجمع بين أحكام الشريعة الإسلامية والقانون العام الإنجليزي، مما أكسب القاضي السوداني قدرة استثنائية على التعامل مع مختلف القضايا القانونية والشرعية بعمق علمي ورؤية متوازنة. ولم يكن هذا التميز حبيس الحدود السودانية، بل امتد أثره إلى العديد من دول الخليج العربي، حيث أسهم القضاة والقانونيون السودانيون في تأسيس المحاكم وصياغة القوانين ووضع اللبنات الأولى للأنظمة العدلية الحديثة في عدد من تلك الدول.
وعلى مر التاريخ، ظل القضاء السوداني رمزاً للاستقلالية والحياد، محافظاً على مكانته كسلطة قائمة بذاتها، تستمد قوتها من القانون لا من النفوذ السياسي أو المصالح الشخصية. ورغم ما تعرض له السودان من تقلبات سياسية وحكومات عسكرية ومدنية، بقيت المؤسسة القضائية تمثل صمام الأمان وحصن العدالة الذي يلجأ إليه المواطن طلباً للإنصاف.
ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023 واجه القضاء السوداني واحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث. فقد تعرضت العديد من المحاكم ومقار الأجهزة العدلية للتدمير والنهب والتخريب، وفُقدت وثائق وملفات قضائية مهمة، وتعطلت أعمال المحاكم في مناطق واسعة من البلاد. ومع ذلك لم يتخلَّ القضاة عن واجبهم الوطني، بل واصلوا أداء رسالتهم في ظروف بالغة التعقيد.
ولعل من أروع صور التضحية التي شهدتها تلك الفترة أن كثيراً من القضاة كانوا ينتقلون بوسائلهم الخاصة ويقودون الدراجات الهوائية بأنفسهم للوصول إلى أماكن العمل وخدمة المواطنين وإنجاز معاملاتهم، رغم المخاطر الأمنية وشح الإمكانات. وقد فعلوا ذلك إيماناً منهم بأن العدالة لا يجوز أن تتوقف حتى في أحلك الظروف.
ومن الحقائق التي قد لا يعلمها كثير من الناس أن القضاة السودانيين، على عظم مسؤولياتهم ومكانتهم، ظلوا من أقل الشرائح الوظيفية من حيث المزايا المادية مقارنة بحجم الأعباء الملقاة على عاتقهم. وقد مرّ كثير منهم بظروف معيشية صعبة خلال سنوات الحرب، حتى إن بعضهم لم يتمكن من توفير أضحية عيد الأضحى لأسرته، ومع ذلك ظلوا ثابتين في مواقعهم يؤدون واجبهم الوطني بصبر وتجرد.
كما اختار عدد من القضاة البقاء داخل السودان رغم الفرص المتاحة لهم للعمل خارج البلاد، في وقت استقطبت فيه دول عديدة الكفاءات السودانية من أطباء ومحامين وأساتذة جامعات وغيرهم. وقد كان بإمكان هؤلاء القضاة أن يبحثوا عن حياة أكثر استقراراً ورخاءً، لكنهم آثروا البقاء لخدمة وطنهم والحفاظ على مؤسساته العدلية.
وفي هذا المقام نتقدم بخالص الشكر والتقدير لمولانا حمد سعد الله عبدالله نمر، قاضي المحكمة العليا ورئيس الجهاز القضائي بأم درمان، ولكل قضاة السودان بمختلف درجاتهم، الذين تحملوا أعباء المرحلة وتحلوا بروح المسؤولية الوطنية في وقت عز فيه الثبات وكثرت فيه التحديات.
إن الأمم لا تنهض إلا بسيادة القانون، ولا تستقيم أحوالها إلا بعدالة القضاء. وإذا كان السودان قد مر بظروف استثنائية قاسية، فإن بقاء المؤسسة القضائية صامدة ومواصلة لرسالتها يمثل أملاً كبيراً في مستقبل تسوده العدالة وتُصان فيه الحقوق وتُرد فيه المظالم.
فالتحية والتقدير والاحترام إلى قضاة بلادي، حراس العدالة، وحملة الأمانة، الذين أثبتوا أن خدمة الوطن ليست شعارات تُرفع، وإنما تضحيات تُقدم ومواقف تُسجل في صفحات التاريخ. التحية الي أصدقائي من القضاء خالد عبدالقادر صالح وعماد شروني وعمر الامين عبدالرحمن ومحمد سرالختم غرباوي ومولانا عماد الدين الجاك اخر قاضي حكم قضية الرئيس البشير والطيب علي بخيت وعصام الدين محمد ابراهيم والله يرحم اعزاء القضاء مولانا عصام الدين لقمان ومعتصم تاج السر
مقال تمنيت ألا اكتبه
ظللت احتفظ بهذا الانطباع لفترة طويلة، لعل تداركا يحدث من قبل الاخ الوزير خالد الاعيسر، ولك…





