‫الرئيسية‬ مقالات العلمانية والمواطنة المتساوية في السودان قراءة نقدية لمقال خالد كودي
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

العلمانية والمواطنة المتساوية في السودان قراءة نقدية لمقال خالد كودي

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

كتب خالد كودي مقالاً مطولاً انتهى فيه إلى أن العلمانية ليست خياراً سياسياً من بين خيارات متعددة، وإنما هي الشرط الوحيد لتحقيق المواطنة المتساوية والسلام المستدام في السودان، وأن كل حديث عن دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية أو عن التوافق المجتمعي حول علاقة الدين بالدولة ليس سوى مراوغة تؤجل العدالة وتكرس الامتيازات الدينية.

والحقيقة أن هذا الطرح يقوم على عدد من المسلمات التي تحتاج إلى مراجعة علمية وتاريخية.

 

*أولاً: الخلط بين التجارب الاسلامية والإسلام*

 

من أهم الإشكالات في المقال أنه ينتقل من نقد تجارب سياسية رفعت شعارات إسلامية إلى نقد المرجعية الإسلامية نفسها.

وهذا خلط غير منصف؛ لأن أخطاء الحكومات أو الأحزاب لا تُنسب إلى الدين، وإنما تُنسب إلى من مارسها.

يقول تعالى (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ) سورة فاطر ١٨

وليس من المنطق أن يُجعل تقصير الناس أو الحكام في تطبيق قيم الإسلام سببًا للطعن في الإسلام نفسه أو الدعوة إلى إقصاء أحكامه. فالله تعالى أمر بالعدل، فإذا وقع الظلم من بعض الحكام أو الأنظمة، فإن الواجب هو المطالبة بإقامة العدل الذي أمر الله به، لا الدعوة إلى إلغاء الآيات التي تأمر بالعدل أو استبعاد الشريعة من الحياة العامة.

فكما أننا إذا رأينا حاكمًا لا يقيم الصلاة لا ندعو إلى إلغاء الصلاة أو حذف نصوصها من القرآن، وإنما ندعوه إلى إقامتها والالتزام بها، فكذلك إذا غاب العدل أو الشورى أو الأمانة، فإن العلاج ليس بإقصاء الإسلام، وإنما بالرجوع إلى تعاليمه الصحيحة وتطبيقها التطبيق السليم.

إن الخلل في التطبيق لا في المبدأ، والخطأ في تصرف البشر لا في نصوص الوحي؛ ولذلك فإن الواجب عند وقوع الانحراف هو إصلاح الممارسة وتقويمها وفق هدي الإسلام، لا تحميل الإسلام نفسه أخطاء من خالفوا أحكامه أو قصروا في العمل بها.

 

وقد قرر القرآن الكريم مبادئ العدل والمساواة الإنسانية قبل أن تعرفها الفلسفات السياسية الحديثة، فقال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].وقال سبحانه:﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].

فالأمر بالعدل جاء عاماً مع جميع الناس، ولم يقتصر على المسلمين وحدهم.

 

*ثانياً: هل المساواة قيمة علمانية أم قيمة إسلامية؟*

يحاول المقال أن يجعل المساواة والمواطنة المتساوية منجزاً علمانياً خالصاً، وكأن الإسلام لا يعرف هذه المبادئ.

والواقع أن الإسلام قرر المساواة الإنسانية منذ أربعة عشر قرناً.

قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

وقال النبي ﷺ:«لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى».

ولهذا فإن العدل والمساواة وكرامة *الإنسان ليست حكراً على العلمانية، بل هي قيم أصيلة في الشريعة الإسلامية.*

بل إن كثيراً من النظم العلمانية الحديثة مارست أبشع صور التمييز والاستعمار والعبودية والفصل العنصري، مما يدل على أن المشكلة ليست في وجود الدين أو غيابه، وإنما في عدالة النظام والتزامه بالقيم الأخلاقية.

 

*ثالثاً: هل العلمانية هي الطريق الوحيد للعدل؟*

هذه الدعوى يكررها المقال كثيراً دون أن يقدم عليها دليلاً حاسماً.

فالدول لا تُقاس بالشعارات، وإنما بالواقع.

بل ان دول علمانية مارست الاستبداد والقمع والاحتلال وإبادة الشعوب.

*فالاتحاد السوفيتي كان دولة علمانية، والصين الشيوعية دولة علمانية، وفرنسا الاستعمارية كانت* *دولة علمانية، والأنظمة التي استعمرت أفريقيا وآسيا ونهبت ثرواتها كانت أنظمة* علمانية *فهل مجرد علمانية الدولة منع الظلم أو حقق العدالة؟ الجواب: لا.* لذلك فإن ربط العدالة بالعلمانية وحدها ربط غير صحيح تاريخياً ولا واقعياً.

 

*رابعاً: الدولة المدنية ليست بالضرورة دولة علمانية*

يحاول الكاتب تصوير الأمر وكأنه لا يوجد إلا خياران: *إما دولة دينية ثيوقراطية تحتكر الحديث باسم الله وإما دولة علمانية.*

وهذا حصر غير دقيق.

*فأهل السنة والجماعة لا يعرفون مفهوم “الدولة الدينية” بالمعنى الكنسي الأوروبي الذي يحكم فيه رجال الدين باسم التفويض الإلهي*.

والتاريخ الإسلامي لم يعرف طبقة كهنوت تحتكر التشريع أو تمنح صكوك الغفران.

*ولهذا فإن الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية ليست دولة كهنوتية، بل دولة مؤسسات وقضاء وشورى ومحاسبة، تستلهم قيمها من الإسلام مع حفظ حقوق المواطنين.*

 

*خامساً: السودان بلد مسلم*

من حق أي مجتمع أن يحتكم إلى مرجعيته الثقافية والدينية التي يؤمن بها أغلب أبنائه.

*فكما تحافظ كثير من الدول الغربية على هويتها الحضارية والثقافية الخاصة، فمن حق الشعب السوداني المسلم أن تكون الشريعة الإسلامية أحد مصادر تشريعه.*

وهذا لا يعني ظلم غير المسلمين ولا انتقاص حقوقهم.

*وقد عاش غير المسلمين قروناً طويلة في ظل الحضارة الإسلامية محتفظين بكنائسهم ودياناتهم وأموالهم وأحوالهم الشخصية.*

 

*سادساً: المشكلة ليست في الدين بل في الاستبداد*

 

يحاول المقال أن يربط الحروب والانقسامات السودانية بالمرجعية الإسلامية.

*بينما القراءة الموضوعية للتاريخ تدل على أن أسباب النزاعات أكثر تعقيداً، وتشمل:*

– الصراع على السلطة.

– التهميش التنموي.

– الفساد الإداري.

– التدخلات الخارجية.

– الصراعات القبلية والإثنية.

– سوء إدارة التنوع.

*ولهذا فإن اختزال الأزمة السودانية كلها في وجود الدين داخل المجال العام تبسيط لا ينسجم مع الواقع.*

 

فالمشكلة الحقيقية ليست في الإسلام، *بل في الاستبداد والفساد وسوء الإدارة، وهي أمراض أصابت الدول ولاسيما العلمانية منها*

 

*سابعاً: الدين في الإسلام لا ينفصل عن الحياة*

يستند كثير من دعاة العلمانية إلى *التجربة الأوروبية التي نشأت سبب صراع الكنيسة مع الدولة.*

*لكن هذه التجربة ليست ملزمة للمسلمين*.

فالإسلام لم يأتِ *لتنظيم الشعائر التعبدية فقط، بل جاء بمنظومة شاملة تنظم علاقة الإنسان بربه ونفسه ومجتمعه ودولته.*

قال تعالى:﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].

*فالإسلام لا يعرف الفصل التام بين الدين والحياة، لأن الدين عند المسلمين ليس مجرد علاقة روحية خاصة، بل منهج حياة شامل.*

وفي الختام أقول إن *العدالة والمساواة وكرامة الإنسان ليست حكراً على العلمانية، كما أن الظلم والاستبداد ليسا ملازمين للدين.*

والسودان لا يحتاج إلى *استنساخ تجارب أوروبا، وإنما يحتاج إلى نظام عادل يحقق الأمن والاستقرار ويحفظ الحقوق ويمنع الاستبداد ويستمد قيمه من هوية المجتمع وثوابته.*

فالواجب أن يكون الحوار حول كيفية تحقيق العدل والمواطنة المتساوية في إطار دولة مدنية تستلهم قيم الإسلام ومبادئه التي يؤمن بها غالبية المجتمع، لا حول إقصاء الدين من حياة الناس أو تصويره على أنه العقبة الوحيدة أمام بناء الدولة الحديثة. فالتحدي الحقيقي يكمن في حسن التطبيق وتحقيق مقاصد العدل والحرية وحفظ الحقوق، لا في إبعاد الدين عن المجال العام أو تحميله أخطاء التجارب البشرية

 

*وإذا كان الجميع يتفقون على العدل والحرية والكرامة الإنسانية، فإن هذه القيم موجودة في الإسلام بأوضح صورها، وليس من الإنصاف أن تُنسب كلها إلى العلمانية أو أن يُصوَّر الإسلام وكأنه نقيض لها.*

‫شاهد أيضًا‬

بعد تفاعل واسع حقق 5 مليون مشاهدة واكثر من 81 الف صوت : زين تعلن الفائزين بمسابقة “زول خير” وتمنح جائزتين تقديريتين لمستشفى النو والاستاذ عثمان الجاك

أعلنت الشركة السودانية للهاتف السيار (زين) نتائج مسابقة “زول خير” في موسمها الثالث، بعد تف…