‫الرئيسية‬ مقالات ضيوفٌ أم خصوم؟.. العقد الأخلاقي للجوء ومزالق الصدمات النفسية في مجتمعات المهجر
مقالات - ‫‫‫‏‫16 ساعة مضت‬

ضيوفٌ أم خصوم؟.. العقد الأخلاقي للجوء ومزالق الصدمات النفسية في مجتمعات المهجر

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

شهدت العاصمة الأيرلندية الشمالية، بلفاست، حادثة مأساوية هزت الأوساط المحلية والدولية بعنف، وتمثلت في إقدام مهاجر من أصول سودانية على محاولة ذبح مواطن أيرلندي في وضح النهار باستخدام أداة حادة. هذه الجريمة البشعة، ورغم تصنيفها قانونياً كحادثة فردية، لم تكن مجرد اعتداء جنائي عابر، بل فتحت الباب على مصراعيه أمام نقاشات شائكة ومعقدة، تتداخل فيها دهاليز السياسة بهواجس الأمن، ويتعانق فيها علم الاجتماع الجنائي مع أزمات اللجوء وتحديات الاندماج في المجتمعات الغربية.

لقد قوبلت الحادثة باستهجان ورفض شعبي جارف من مختلف مكونات المجتمع في أيرلندا الشمالية؛ إذ سادت حالة من الصدمة العميقة والغضب المبرر بين المواطنين الذين تداعوا للتعبير عن تضامنهم المطلق مع الضحية. وأكدت الجماهير أن مثل هذه السلوكيات العنيفة والدموية تُعد غريبة مستهجنة تماماً على قيم التسامح والتعايش السلمي، وهي القيم التي يكافح الإقليم بشراسة لترسيخها بعد عقود طويلة ومريرة من الصراعات التاريخية الداخلية.

وفي أول رد فعل رسمي، اتسم بالسرعة والحسم، وصف رئيس الوزراء الحادثة بـ”البشعة”، مستنكراً بقوة هذا الفعل الإجرامي الذي يطعن في صميم السلم المجتمعي. وفي موازاة ذلك، أظهرت المؤسسات السياسية وعياً ملحوظاً؛ حيث سارع أعضاء البرلمان إلى إطلاق تحذيرات صارمة تدعو لعدم الانجرار وراء مستنقع “خطاب الكراهية” ضد المهاجرين، مشددين على الضرورة القصوى لفصل هذه الجريمة الفردية عن مجمل الجاليات المهاجرة، والتي تساهم بشكل إيجابي وفعال في إعمار البلاد وتنمية اقتصادها.

ومهما كانت الدوافع الكامنة أو المبررات التي قد تُساق، تظل هذه الجريمة من الجنايات الكبرى والخطيرة التي لا يمكن تبريرها أو التغاضي عنها تحت أي ظرف. إن المساس بالحق في الحياة والأمان الشخصي يمثل “خطاً أحمر” في كافة الشرائع والقوانين الدولية والمحلية، مما يضع الجاني تحت طائلة القانون الصارم، بعيداً عن أي أعذار تخفيفية.

وإذا تعمقنا في تفاصيل الحادثة، نجد مفارقة لافتة؛ فالسلاح المستخدم لم يكن سوى “سكين مطبخ” عادي. هذه الأداة المنزلية البسيطة والمتوفرة في كل بيت، تحولت في لحظة غضب وانفلات إلى أداة قتل فتاكة.

وبالنظر إلى البيئة الثقافية والاجتماعية التي أتى منها المهاجر، قد يُنظر إلى حمل السكين كأمر شائع ومألوف في الحياة اليومية، بل إنها أداة تستخدمها كثير من النساء في الأعمال المنزلية أو حتى بغرض الدفاع عن النفس في سياقات معينة، دون أبعاد جرمية مسبقة. لكن انتقال هذا السلوك واستخدامه كسلاح في مجتمع مستقر تحكمه سيادة القانون يُعد تناقضاً صارخاً يحول العادات والموروثات إلى جنايات مروعة.

مع ذلك، وفي سياق التحليل العلمي والموضوعي، لا يمكن فصل سلوك الجاني عن السياق الدموي الأوسع المرتبط بالحرب الكارثية و المستعرة في وطنه الأم. لقد أنتجت هذه الحرب مستويات غير مسبوقة من العنف والفظائع، حيث باتت مشاهد القتل والانتهاكات اليومية أمراً معتاداً. بل ووصل الأمر ببعض عناصر الميليشيات المسلحة إلى التباهي العلني بتصفية مئات بل وآلاف المواطنين العزل بمفردهم.

هذه البيئة المشبعة برائحة الدم تخلق حالة من التبلد الوجداني وتراجعاً مخيفاً في قيمة الحياة البشرية لدى بعض الأفراد. إن الظروف القاسية التي يفر منها المهاجرون تترك ندوباً نفسية غائرة وتشوهات روحية قد تنفجر فجأة وبشكل غير متوقع في بيئات اللجوء الجديدة. فالصدمات التراكمية الناتجة عن معايشة الخراب والدمار قد تؤدي إلى اضطرابات سلوكية حادة، تجعل من السهل على الفرد المأزوم النكوص إلى العنف كوسيلة بدائية وسريعة للتعامل مع الضغوط أو تسوية الخلافات.

ومن هذا المنطلق، ستجد دوائر علم الإجرام وعلم النفس الجنائي في هذه الحادثة فرصة غنية ونموذجاً للدراسة والتحليل للوقوف على شخصية الجاني وفهم تركيبته النفسية. وتتركز الدراسات حول كيفية تأثير البيئة الأصلية التي هاجر منها الفرد، ودرجة التشبع بالعنف الناتجة عن الحروب، على سلوكه الإجرامي في مجتمعات المهجر المستقرة.

وهنا نعود إلى جوهر القضية: العقد الأخلاقي للجوء. عندما تفتح دولة ما أبوابها، وتوفر ملاذاً آمناً وخدمات إنسانية للاجئ فرّ من الموت، فإنها تتوقع في المقابل التزاماً صارماً بقوانينها واحتراماً لسلامة مواطنيها. أن يتحول هذا الملاذ إلى ساحة للاعتداء والترويع هو خيانة عظمى لهذا العقد، وإنكار لأدنى درجات “رد الجميل”. إن الانخراط في المجتمع والعيش بسلام هو أبسط أشكال الامتنان التي يُنتظر من الإنسان أن يقدمها للبلد الذي آواه حينما ضاقت به السبل.

الخطأ الفادح الذي يقع فيه المعتدون هو اعتقادهم الواهم بأنهم أحرار في أفعالهم الفردية. في سياق اللجوء والاندماج، يتلاشى مفهوم “الفردية” تماماً. حين يرتكب شخص من خلفية عرقية معينة جريمة وحشية، لا يرى المجتمع المضيف “فرداً”، بل يرى “نموذجاً” قابلاً للتعميم بقسوة. الملايين من المهاجرين الذين يكدحون بصدق، يدرسون، ويساهمون في بناء تلك المجتمعات، يجدون أنفسهم فجأة في قفص الإتهام الجماعي. إن هذا التصرف يضع “وصمة” على جبين كل من يحمل نفس البشرة أو الأصل، مما يجعل حياة الأبرياء أصعب وأكثر توتراً.

التداعيات لا تتوقف عند حدود المحكمة أو العقوبة القانونية؛ بل تمتد لتغذي التيارات اليمينية المتطرفة التي تنتظر مثل هذه “الهدايا” لتبرير اجنداتها. لقد رأينا كيف تحولت حادثة بلفاست إلى وقود شغب واحتجاجات مناهضة للمهاجرين. والنتيجة الحتمية لمثل هذا التهور تتلخص في تشديد السياسات التقييدية ودفع الحكومات نحو تقليص برامج اللجوء ووضع قيود صارمة تعرقل حياة المقيمين الجدد. الى جانب تصاعد العنصرية المقيتة بخلق بيئة مجتمعية عدائية تجعل حتى المهاجرين الذين اندمجوا بنجاح والذين يحترمون القانون عرضة للمضايقات والتنمر، وشبح الترحيل بتقوية نفوذ الأصوات التي تنادي بطرد المقيمين، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى ترحيل أفراد صالحين دفعوا ثمن أخطاء لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

رسالة الى المغتربين والمهاجرين السودانيين في كل مكان (مصر، ليبيا، وأوروبا): إن النضال من أجل بناء حياة أفضل في دول المهجر، سواء في الغرب أو في دول الجوار التي استقبلت ملايين السودانيين مؤخراً مثل مصر وليبيا، يتطلب وعياً مضاعفاً وإدراكاً عميقاً لحساسية المرحلة. الحفاظ على السمعة الطيبة ليس ترفاً اجتماعياً، بل هو خط الدفاع الأول والأساسي عن بقاء للمهاجر واللاجئ في المجتمع.

إن الانخراط في أعمال العنف أو الاستهتار بقوانين وعادات الشعوب المضيفة لا يُدمر حياة الضحية والجاني فحسب، بل ينسف جسور الأمان التي يحتاجها الآلاف من الطامحين لحياة كريمة والهاربين من جحيم الصراعات. علينا جميعاً أن ندرك أن كل فعل يصدر منا هو “رسالة” بليغة تصل للمجتمع المضيف؛ فإما أن تكون رسالة تطمين توطد أواصر التعايش، أو رسالة تحريض تفتح أبواب الجحيم على الجميع. المسؤولية تبدأ من الإيمان العميق بأنك، في نظر الآخرين، لست فرداً مستقلاً، بل أنت واجهة وسفير لملايين غيرك.

تفرض هذه الحادثة على السلطات في الدول المضيفة ضرورة إعادة النظر في كيفية التعامل مع المهاجرين واللاجئين مستقبلاً. ليس من الناحية الأمنية فحسب، بل من خلال تقديم الدعم النفسي وإعادة التأهيل. إن استيعاب القادمين من مناطق الحروب يتطلب برامج دمج عميقة تعالج آثار الصدمات التراكمية، لضمان سلامة المجتمع المضيف وتفادي تكرار مثل هذه المآسي الدامية.

الجريمة لا قوالب محددة لها، فإنها تقع في أي زمان وأي مكان، والمجرم واحد وتتعدد الأسباب.

 

12 يونيو 2026

‫شاهد أيضًا‬

الخارجية الإريترية تشيد بدور السودان في تنسيق مواقف المجموعة الأفريقية

في وقت تواجه فيه القارة الأفريقية تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة، تبرز أهمية العمل…