ذاكرة الوطن لأ تموت.. وثّقوا الجرائم قبل أن يكتب التاريخ رواية أخرى
حديث الساعة الهام سالم منصور

ما تزال الحرب في السودان تلقي بظلالها الثقيلة على حياة المواطنين، وما تزال المسيرات التي تُطلقها قوات الدعم السريع تحصد الأرواح وتبث الخوف وسط المدنيين في عدد من المناطق. وبين صوت الانفجارات ودموع الثكالى وأنين الجرحى، يقف المواطن السوداني متسائلاً: إلى متى تستمر هذه المعاناة؟ ومن ينصف الضحايا الذين دفعوا ثمن حرب لم يختاروها؟
لقد أصبح التوثيق اليوم واحداً من أهم أسلحة الحقيقة. فكل صورة، وكل مقطع فيديو، وكل شهادة من مواطن عايش الحدث، تمثل وثيقة تاريخية لا تقل أهمية عن أي تقرير رسمي أو تحقيق دولي. وما يجري على أرض السودان ليس مجرد أحداث عابرة تنتهي بانتهاء يومها، بل وقائع ستبقى محفورة في ذاكرة الوطن، وستسأل عنها الأجيال القادمة.
ورغم الكم الهائل من المواد الموثقة التي تكشف حجم الدمار والخسائر البشرية والمادية، إلا أن كثيراً من السودانيين يشعرون بأن العالم لم يمنح هذه المأساة القدر الكافي من الاهتمام. فالضحايا يسقطون كل يوم، والممتلكات تُدمر، والأسر تُشرد، بينما يظل المواطن البسيط ينتظر موقفاً أكثر فاعلية من المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والحقوقية.
إن قيمة التوثيق لا تكمن فقط في كشف الحقيقة للرأي العام، بل في حفظ الحقوق وعدم السماح بطمس الوقائع أو تزوير التاريخ. فكم من أحداث مرت على الأمم والشعوب، وحاول البعض تغيير روايتها أو إخفاء تفاصيلها، لكن الوثائق والشهادات كانت أقوى من محاولات التزييف، وبقيت الحقيقة حاضرة رغم مرور السنوات.
وفي خضم هذه الأحداث، شهد السودان عودة عدد من القيادات والعناصر التي كانت تنتمي إلى قوات الدعم السريع إلى صف الوطن، معلنين انحيازهم لوحدة السودان واستقراره. وهذه التحولات تؤكد أن الوطن أكبر من الخلافات والصراعات، وأن كثيراً من الحقائق بدأت تتكشف مع مرور الوقت. غير أن السؤال الذي يظل مطروحاً: ماذا قدمت الحرب للسودان سوى الدمار والنزوح وتفكيك النسيج الاجتماعي واستنزاف مقدرات البلاد؟
لقد أثبتت القوات المسلحة السودانية، وفق رؤية كثير من السودانيين، صموداً كبيراً في مواجهة التحديات، كما أظهر المواطن السوداني قدرة استثنائية على التحمل والصبر رغم قسوة الظروف. لكن الصبر وحده لا يكفي، فلابد من العمل الجاد لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وترميم الجراح الاجتماعية، وإطلاق مشروع وطني جامع يعيد للسودان عافيته ومكانته.
إن التوثيق الذي نقوم به اليوم ليس موجهاً لجيلنا فقط، وإنما للأجيال القادمة التي ستقرأ وتبحث وتحلل ما حدث في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ السودان. ومن حق تلك الأجيال أن تجد أمامها حقائق واضحة وموثقة، لا روايات متضاربة أو معلومات مشوهة.
فالتاريخ لا يكتب بالعواطف وحدها، وإنما بالحقائق والشواهد والأدلة. وما يُوثق اليوم سيبقى شاهداً على زمن عصيب مر به السودان، وعلى شعب تمسك بوطنه رغم الجراح، وعلى رجال ونساء آمنوا بأن الحقيقة لا تموت مهما حاول البعض إخفاءها.
ويبقى الأمل قائماً بأن تنتهي هذه الحرب، وأن يعود الأمن والاستقرار إلى كل شبر من أرض السودان، وأن يتحول التوثيق من سجل للآلام إلى سجل للانتصار والتعافي وإعادة البناء. فالأوطان العظيمة لا تنهزم ما دام فيها من يحفظ ذاكرتها ويدافع عن حقيقتها.
حفظ الله السودان أرضاً وشعباً، وجعل المستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً.
الجمعة١١يوتيو٢٠٢٦
الخارجية الإريترية تشيد بدور السودان في تنسيق مواقف المجموعة الأفريقية
في وقت تواجه فيه القارة الأفريقية تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة، تبرز أهمية العمل…





