‫الرئيسية‬ مقالات قراءة في قرار عودة الدولة لاستيراد المشتقات البترولية 
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

قراءة في قرار عودة الدولة لاستيراد المشتقات البترولية 

واقع معاش   اللازم السفير 

​يُمثل قرار مجلس الوزراء بدخول الحكومة طرفاً مباشراً في استيراد المشتقات البترولية تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة قطاع استراتيجي كان يتأرجح طويلاً بين تحرير مشوه وسيطرة حكومية غير منظمة.

هذا القرار يتجاوز كونه إجراءً فنياً لتوفير الوقود، ليصبح إعادة هندسة للعلاقة بين الدولة والسوق، مما يفرض تساؤلات حادة حول مدى قدرة الإدارة الحكومية على موازنة كفاءة الأداء مع أهداف الاستقرار الاقتصادي.

​تستند الحكومة في هذا التوجه إلى منطق “الضبط المركزي”، مفترضة أن احتكار قرار الاستيراد سيمكّنها من جدولة الطلب على النقد الأجنبي ومنع المضاربات التي تؤثر على سعر الصرف.

ومع ذلك، تنطوي هذه الخطوة على مخاطر اقتصادية جسيمة، إذ إن نقل عبء الاستيراد من القطاع الخاص إلى ميزانية الدولة يضع ضغوطاً إضافية على موارد بنك السودان، وقد يؤدي إلى تزاحمٍ يعيق القطاعات الأخرى. كما أن غياب الكفاءة التشغيلية المعهودة في القطاع الخاص قد يُحوّل المبادرة الحكومية إلى عبء إضافي يرفع التكاليف بدلاً من خفضها.

​من الناحية الإدارية، يبرز تضارب المصالح كأكبر تحدٍ يواجه هذا القرار، إشراك وزارات المالية والطاقة مع الأجهزة الأمنية في ملف استيراد يحتاج إلى مرونة تجارية وتحوط مالي، يثير مخاوف من غياب التخصصية. فدون وجود هيئة تنظيمية مستقلة تعتمد على معادلات تسعير شفافة ومناقصات علنية، يظل خطر تحول الدولة من “منظم للسوق” إلى “تاجر محتكر” قائماً، وهو ما سيعني استبدال فوضى احتكار الشركات بعتمة الاحتكار الحكومي.

 

​سياسياً، يُعيد هذا القرار إنتاج “العقلية الثنائية” التي تعجز عن الموازنة بين التحرير المنظم وسيطرة الدولة، مما يرسل إشارات سالبة للقطاع الخاص قد تؤدي إلى انسحابه نهائياً. وإذا ما أضفنا إلى ذلك البعد الاجتماعي، نجد أن المواطن لا يعنيه من هو المستورد بقدر ما يعنيه توفر الوقود واستقرار أسعاره.

الاعتماد على الأدوات الأمنية في إدارة اللوجستيات لا يغني عن ضرورة وجود كفاءة فنية، وفشل هذا القرار في تحقيق وفرة مستدامة سيحول مكاسب الحكومة السياسية إلى خسائر مضاعفة.

​ القرار في جوهره ليس صواباً أو خطأً مطلقاً، بل هو أداة تعتمد نتائجها على كيفية التطبيق. الاختبار الحقيقي يكمن في مدى شفافية الحكومة في نشر جداول البواخر ومعادلات التسعير، وقدرتها على بناء إطار تنظيمي يمنع تغول السلطة على السوق. وما لم تتضح معالم هذا الإطار خلال الفترة القادمة، فإن الخطوة قد لا تكون سوى “تأميم غير ناضج” يضيف أعباءً جديدة على اقتصاد الدولة ويفاقم من تعقيدات السوق بدلاً من حلها.

‫شاهد أيضًا‬

التعليم كرافعة تمكين… لا نظامًا لمنح الشهادات

لا يمكن الحديث عن تمكين الشباب والمرأة دون الوقوف بجدية عند منظومة التعليم. فالتعليم هو ال…