التعليم ليس غنيمة حرب: عن وهم الشرعية ومستقبل الأجيال
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
في خضم الصراعات المسلحة والحروب التي تعصف بالأوطان، يظل التعليم هو الحصن الأخير الذي تلجأ إليه الشعوب لحماية مستقبلها من الضياع. ولكن، في سابقة تعكس عمق الانحدار الأخلاقي والسياسي، تحاول بعض الكيانات المسلحة وأذرعها السياسية اقتحام هذا الحصن، لا من خلال بناء المدارس، بل عبر تزييف الحقائق واستغلال الأزمات الإنسانية لتحقيق مكاسب واهية. إن المحاولات الأخيرة لتحريف مضامين البيانات الصادرة عن المنظمة الأممية المعنية بالطفولة، وتطويعها لخدمة أجندات تمزيق الدولة، تمثل جريمة مكتملة الأركان بحق الأجيال القادمة.
من أشد المفارقات سخرية ومرارة في مشهدنا الراهن، أن نرى الجهات التي قادت حملات التدمير الممنهج للبنية التحتية التعليمية، تخرج اليوم مرتدية ثوب الحرص على مستقبل الطلاب والامتحانات الوطنية. إن هذه المجموعات المتمردة هي ذاتها التي احتلت المدارس والمؤسسات الأكاديمية، وحولت الفصول الدراسية التي كانت تنبض بالحياة إلى ثكنات عسكرية ومخازن للأسلحة والذخائر، وتسببت في تهجير ملايين الأسر، مقتنعةً الطلاب من بيئاتهم الآمنة، ودافعةً بهم إلى مخيمات اللجوء والتشرد، وعرضت حياة الكوادر التعليمية من معلمين وإداريين، فضلاً عن الطلاب أنفسهم، لخطر الموت والاعتقال في مناطق سيطرتها.
إن محاولة هذه الكيانات استغلال بيان أممي يدعو إلى حماية التعليم، وتفسيره على أنه إضفاء للشرعية على ترتيبات تعليمية موازية، ليس سوى متاجرة رخيصة بمعاناة مئات الآلاف من الطلاب. إنها محاولة يائسة لغسل أيديهم من دماء العملية التعليمية، وتوظيف أوجاع الأبرياء كأوراق ضغط سياسية لا تمت لمصلحة الأجيال بصلة.
لقد كان تحذير المنظمة الأممية واضحاً وجلياً ولا يحتمل التأويل: الأنظمة التعليمية المجزأة والشهادات غير الموحدة تشكل خطراً داهماً يهدد مستقبل الطلاب ووحدة البلاد.
إن السعي لخلق مسارات تعليمية موازية أو إقرار امتحانات خارج مظلة الدولة الشرعية يحمل في طياته كارثة مركبة، على المستوى الفردي يحيل هذا العبث جهود الطلاب وسنوات تحصيلهم إلى سراب، إذ تُمنح لهم شهادات فاقدة للأهلية والاعتراف الوطني والدولي، مما يعزلهم تماماً عن مسارات التعليم العالي وسوق العمل العالمي، وعلى المستوى الوطني: يمثل النظام التعليمي الموازي خطوة خطيرة نحو تكريس التقسيم الجغرافي والمجتمعي، وضرباً في صميم الهوية الوطنية الموحدة التي تصهر جميع أطياف المجتمع في بوتقة معرفية واحدة.
يجب أن يكون مفهوماً لدى الجميع أن الامتحانات القومية والشهادات الوطنية ليست مجرد أوراق إدارية؛ بل هي من أهم رموز السيادة الوطنية، شأنها في ذلك شأن العملة والعلم. إنها تعبير أصيل عن سلطة الدولة ووحدة مؤسساتها.
لذلك، فإن الموقف الحازم الذي تتبناه المؤسسات الشرعية للدولة في رفض أي واقع تعليمي موازٍ هو الموقف الطبيعي والمسؤول. لا يمكن، تحت أي ظرف أو ضغط، السماح لمشروع قائم على العنف والفوضى بأن يفرض شروطه على العقل الجمعي للأمة. الاعتراف بمؤهلات الطلاب وحماية مستقبلهم يتطلب نظاماً مؤسسياً راسخاً، وليس كيانات هشة تسعى لاختطاف الدولة وتجزئتها.
رغم قتامة المشهد والتعقيدات التي تفرضها آلة الحرب، يقع على عاتق الدولة الوطنية التزام أخلاقي ودستوري لا حياد عنه، بتذليل العقبات والعمل الدؤوب مع الشركاء الوطنيين والدوليين لضمان حق كل طالب في الجلوس للامتحانات الوطنية الموحدة، أينما كان موقعه الجغرافي، وتطهير المؤسسات بالاستمرار في جهود استعادة الأمن والاستقرار، وتحرير صروح العلم من قبضة المليشيات المسلحة ومظاهر الفوضى، والعودة الكريمة بتهيئة الظروف المناسبة لعودة الطلاب إلى مقاعد الدراسة، ليمارسوا حقهم الأصيل في التعليم والحياة الكريمة.
خلاصة القول؛ إن الأوطان لا تُبنى بقرقعة السلاح، بل بعقول شبابها وطلابها. والتعليم سيظل دائماً وأبداً حقاً إنسانياً أصيلاً وركيزة لبناء المستقبل، ولن تسمح الإرادة الوطنية الحرة بأن يتحول هذا القطاع الحيوي إلى رهينة في يد مشاريع التخريب، أو أن يُستخدم كأداة لتمرير أجندات التقسيم وتقويض مؤسسات الدولة العريقة. المستقبل لأصحاب الأقلام، لا لأصحاب البنادق الموجهة نحو صدور المدارس.
أنصفوا آل السيسي سيادة الرئيس البرهان
برزت إلى السطح خلال الأيام الماضية قضية أثارت اهتمام الرأى العام ليس فقط لأنها تتعلق باستث…





