بين الاستسلام والانضمام.. الميدان وحده يجيب: ماذا قدم المنشقون من قيادات الدعم السريع للسودان؟
حديث الساعة الهام سالم منصور

منذ اندلاع الحرب التي عصفت بالسودان، ظل المواطن السوداني يراقب المشهد بعين المتألم الذي دفع الثمن الأكبر من دمه وأمنه واستقراره ومستقبل أبنائه. وبينما تتغير التحالفات وتتبدل المواقف وتكثر التصريحات، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة على الساحة الوطنية: ماذا قدم المنشقون من قيادات الدعم السريع للشعب السوداني بعد إعلان انشقاقهم؟ وما الذي أضافوه لمعركة استعادة الدولة وبناء الوطن؟
في اللغة فرق واضح بين الاستسلام والانضمام. فالاستسلام قد يكون نتيجة ضغوط الواقع أو تغير موازين القوى، أما الانضمام فهو موقف يفترض أن تصاحبه قناعة وإرادة وعمل يترجم هذا التحول إلى نتائج ملموسة. ولذلك فإن المواطن السوداني لا يحاكم النوايا، وإنما يحاكم الأفعال والنتائج.
لقد تابع السودانيون خلال الفترة الماضية ظهور عدد من القيادات المنشقة عبر المنصات الإعلامية واللقاءات السياسية، لكن المواطن البسيط الذي ذاق مرارة النزوح وفقدان الممتلكات لا يسأل عن عدد المؤتمرات ولا عن كثرة التصريحات، بل يسأل سؤالًا واحدًا: ماذا تغير في حياتي؟ وهل ساهم هؤلاء في إنهاء معاناتي أم لا؟
ومن بين الأسماء التي ظلت حاضرة بقوة في هذا النقاش يبرز القائد أبو عاقلة كيكل، ليس لأن الجميع يتفقون حوله، ولكن لأن تجربته فرضت نفسها على أرض الواقع. فالرجل واجه منذ إعلان موقفه موجة واسعة من الانتقادات والتشكيك والاستهداف الإعلامي، وتعرض لحملات منظمة حاولت التقليل من أهمية خطوته والتشكيك في أهدافها ودوافعها.
ولم تتوقف الضغوط عند حدود النقد السياسي، بل امتدت إلى محاولات النيل من سمعته والتشكيك في كل تحركاته، حتى أصبح اسمه محورًا لجدل واسع في وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي. لكن ما يلفت الانتباه أن الرجل لم ينشغل كثيرًا بالردود والخطابات، بل اختار أن يترك للميدان مهمة الرد على خصومه ومؤيديه على حد سواء.
فبعد انضمامه لم نشاهد استعراضات عسكرية داخل الأحياء السكنية، ولم نشهد مواكب قوة تجوب الشوارع لإرهاب المواطنين أو استعراض النفوذ. بل ارتبط اسمه بالتحرك نحو مناطق العمليات حيث تدور المعارك الحقيقية في دارفور وكردفان وغيرها من مسارح القتال.
وهنا يكمن جوهر القضية. فالمواطن السوداني الذي اكتوى بنار الحرب أصبح أكثر وعيًا من أي وقت مضى. لم تعد الشعارات وحدها تكفي لإقناعه، ولم تعد الكلمات الرنانة قادرة على صناعة الأبطال. فالواقع وحده هو الذي يمنح الناس حق الحكم على المواقف.
والحقيقة أن السودان يمر بمرحلة دقيقة من تاريخه تحتاج إلى رجال دولة أكثر من حاجتها إلى رجال تصريحات. تحتاج إلى من يساهم في إعادة الأمن إلى القرى والمدن، وإلى من يساعد في عودة النازحين إلى ديارهم، وإلى من يشارك في تضميد جراح الوطن الذي أثخنته الحرب.
ومن هذا المنطلق فإن السؤال المشروع لا يوجه إلى شخص واحد، بل إلى جميع القيادات التي أعلنت انشقاقها عن الدعم السريع. أين هي مبادراتهم الوطنية؟ وما هي مساهماتهم في تخفيف معاناة المواطنين؟ وما هي الأدوار التي قاموا بها في استعادة الخدمات وحماية المدنيين وتعزيز الاستقرار؟
إن الشعوب لا تحفظ كثيرًا أسماء الذين أكثروا من الحديث، لكنها تحفظ أسماء الذين وقفوا عند الشدائد وتحملوا المسؤولية في أصعب اللحظات. والتاريخ السوداني مليء بالشخصيات التي خلدتها المواقف لا المناصب، ورفعتها التضحيات لا الشعارات.
واليوم يقف السودان عند مفترق طرق تاريخي، حيث تتجه الأنظار نحو كل القوى الوطنية لتثبت صدق مواقفها بالفعل لا بالقول. فالوطن الذي مزقته الحرب لا يحتاج إلى مزيد من الخلافات، وإنما يحتاج إلى وحدة الصف والعمل الجاد وتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة.
إن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة تقييم حقيقية للجميع. فكل من أعلن انحيازه للوطن سيكون مطالبًا بإثبات ذلك على أرض الواقع. وكل من تحدث باسم المواطن سيكون مطالبًا بخدمة هذا المواطن. وكل من رفع شعار الوطنية سيكون مطالبًا بترجمة هذا الشعار إلى عمل ملموس يراه الناس في أمنهم واستقرارهم ومعاشهم.
وفي نهاية المطاف، تبقى حقيقة واحدة لا خلاف عليها: أن الميدان هو الامتحان الأكبر، وأن الأوطان لا تبنى بالخطب وحدها، بل تبنى بالتضحيات والعمل والإخلاص. وما بين الاستسلام والانضمام تبقى الأفعال هي الفاصل الحقيقي، ويبقى التاريخ شاهدًا لا يجامل أحدًا، يكتب للرجال مواقفهم كما هي، ويترك للأجيال أن تقرأ وتحكم.
حفظ الله السودان وأهله، وجعل من هذه المحنة بداية لوطن أكثر قوة ووحدة واستقرارًا.
السبت ١٢يونيو٢٠٢٦
أنصفوا آل السيسي سيادة الرئيس البرهان
برزت إلى السطح خلال الأيام الماضية قضية أثارت اهتمام الرأى العام ليس فقط لأنها تتعلق باستث…





