‫الرئيسية‬ مقالات من يعطل الدولة؟ سؤال عاد إلى الواجهة
مقالات - ‫‫‫‏‫18 ساعة مضت‬

من يعطل الدولة؟ سؤال عاد إلى الواجهة

مسارات. د.نجلاء حسين المكابرابي

أثار حديث الفريق أول ياسر العطا، وما حمله من شكاوى واضحة بشأن تعثر بعض المشروعات والقرارات، نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية. ولم يكن الاهتمام بما قاله نابعاً من مضمون الشكوى فحسب، لكن من موقع الرجل نفسه داخل هرم السلطة، الأمر الذي منح حديثه أبعاداً تتجاوز المناسبة التي قيل فيها.

 

ففي العادة، يشتكي المواطن من بطء الإجراءات، أو يتذمر المسؤول التنفيذي من ضعف الإمكانات، لكن أن تصدر الشكوى من أحد كبار صناع القرار، فإن السؤال ينتقل مباشرة من طبيعة المشكلة إلى مصدرها الحقيقي: أين تكمن العقدة التي تعطل الدولة؟

 

حديث العطا لم يكن مجرد تعبير عن ضيق أو انفعال عابر، لكنه بدا وكأنه رسالة تحمل اعترافاً ضمنياً بوجود فجوة بين إرادة التنفيذ والقدرة على الإنجاز. وهي فجوة ظلت محل تساؤل لدى قطاعات واسعة من الرأي العام منذ سنوات، حيث تتكرر القرارات والتوجيهات والإعلانات، بينما تتعثر النتائج على أرض الواقع.

 

وهنا تبرز القضية الجوهرية: هل المشكلة في نقص الموارد؟ أم في تعقيدات البيروقراطية؟ أم في تعدد مراكز اتخاذ القرار؟ أم أن هناك حلقات خفية داخل منظومة الدولة تجعل بعض القرارات تفقد فعاليتها قبل أن تصل إلى مرحلة التنفيذ؟

 

إن الدول لا تُقاس بقوة قراراتها المعلنة، وإنما بقدرتها على تحويل تلك القرارات إلى واقع ملموس. وحين يشعر المواطن بأن مشكلاته لا تجد حلولاً رغم كثرة التصريحات، وحين يشعر المسؤول نفسه بأن قراراته تواجه عراقيل لا يستطيع تجاوزها، فإن الأزمة تصبح أعمق من مجرد خلل إداري عابر.

 

لقد ظل السودانيون، على اختلاف توجهاتهم، يطرحون سؤالاً واحداً بصيغ متعددة: أين توجد مراكز التأثير الحقيقية في الدولة؟ ومن يمتلك القدرة على تسريع القرارات أو تعطيلها؟ وهو سؤال لا يرتبط بأشخاص بعينهم بقدر ما يرتبط ببنية الحكم وآليات اتخاذ القرار.

 

ومن المفارقات أن هذا السؤال ظل يتردد في مراحل سياسية مختلفة من تاريخ السودان، إذ كثيراً ما كان القادمون إلى مواقع السلطة يكتشفون أن النفوذ الفعلي لا يتطابق دائماً مع المواقع الرسمية، وأن ما يبدو واضحاً في الهياكل التنظيمية قد يكون أكثر تعقيداً في الواقع العملي.

 

لذلك فإن القيمة الحقيقية في حديث الفريق العطا لا تكمن في الشكوى نفسها، وإنما في الدلالة التي حملتها. فحين يصل الإحساس بالعجز أو الإحباط إلى مستويات عليا في الدولة، فإن ذلك مؤشر يستحق التوقف عنده بجدية، لأنه يكشف عن حاجة ملحة لمراجعة منظومة اتخاذ القرار، وتحديد المسؤوليات، وإزالة التشابكات التي تعيق الأداء.

 

إن الشعوب لا تنتظر تبادل الشكاوى بين المؤسسات، هي تنتظر حلولاً واضحة ونتائج ملموسة. أما السؤال الذي ما زال يبحث عن إجابة، فهو: إذا كان كبار المسؤولين يشكون من التعطيل، فمن يملك إذن مفتاح الحل؟ ومن تقع عليه مسؤولية إعادة الدولة إلى مسار الفاعلية والإنجاز؟

 

ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح، لا بوصفه جدلاً سياسياً، وإنما باعتباره مدخلاً ضرورياً لفهم الأزمة ومعالجة جذوره

‫شاهد أيضًا‬

مستشار مجلس السيادة لشؤون المنظمات والعمل الإنساني يبحث في إيطاليا تعزيز الدعم الإنساني للسودان

بحث مستشار مجلس السيادة لشؤون المنظمات والعمل الإنساني، الفريق الركن *الصادق إسماعيل محمود…