هل أنقذنا التفريق بين الدين والتدين أم مزّق الدين نفسه؟
خواطر ابن الفضل د. محمد فصل محمد

قراءة نقدية في دعوى أن الصلاة والصيام مجرد “تدين” وأن الدين هو الأخلاق والمعاملات
اطلعت على مقال الدكتور محمد الأمين بن اللخمي بعنوان: “يسألونك عن الدين والتدين”، فوجدت فيه دعوة محمودة إلى الصدق والأمانة والعدل وحسن المعاملة، وهي قيم عظيمة دعا إليها الإسلام، لكن الكاتب بنى عليها نتيجة خطيرة لا يدل عليها كتاب ولا سنة، وهي التفريق بين الدين والتدين، ثم جعل الصلاة والصيام والزكاة والحج مجرد “تدين”، بينما جعل الأخلاق والمعاملات هي “الدين” الحقيقي وهذا التقسيم لم يعرفه القرآن ولا السنة ولا سلف الأمة.
*أولاً: القرآن يجعل العبادة والأخلاق ديناً واحداً*
الله تعالى لم يقسم الإسلام إلى دين وتدين، وإنما أمر بالأخذ بالدين كله فقال:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.وقال سبحانه:﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾.وقال:﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.
فكما أن الصدق من الدين، فالصلاة من الدين، وكما أن الأمانة من الدين، فالصيام من الدين، وكما أن العدل من الدين، فالحج من الدين.
ولا يجوز لأحد أن يرفع بعض الدين ويخفض بعضه الآخر.
*ثانياً: أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة لا المعاملةلو كانت الصلاة مجرد مظهر تديني لا قيمة له كما يوحي المقال،* فلماذا قال النبي ﷺ:«إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر».
ولماذا جعلها الله الحد الفاصل بين الإيمان والكفر؟قال ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر».فهل يعقل بعد ذلك أن يقال إن الصلاة لا تمثل إلا واحداً في المائة من الإسلام؟
*ثالثاً: الأخلاق ثمرة الإيمان وليست بديلاً عنه*
استشهد الكاتب بحديث: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
وهذا حديث صحيح المعنى، لكنه لا يدل على أن الأخلاق تغني عن العبادة فالرسول ﷺ نفسه الذي بعث لإتمام مكارم الأخلاق هو الذي كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، وهو الذي قال:«صلوا كما رأيتموني أصلي».ولو كانت الأخلاق وحدها تكفي لما فرض الله الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة.
بل إن القرآن يربط بين العبادة والأخلاق ربطاً مباشراً.قال تعالى:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾.فالصلاة ليست بديلاً عن الأخلاق، بل مصنع الأخلاق.
وقال ﷺ:«من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».
فلم يسقط الصيام، وإنما بيّن أن الصيام الحقيقي يجب أن يثمر أخلاقاً حسنة.
*رابعاً: القرآن ذم من جمع العبادة* *بلا أخلاق وذم من ترك العبادة أيضاً الإسلام لا يقبل متديناً غشاشاً* قال ﷺ: «من غشنا فليس منا».وقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان». لكنه كذلك لا يقبل صاحب أخلاق يترك عبادة الله. قال تعالى:﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.وقال:﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.
فالإسلام لا يقول: أخلاق بلا عبادة.
ولا يقول: عبادة بلا أخلاق.
بل يقول: عبادة صحيحة تثمر أخلاقاً صحيحة.
*خامساً: الصحابة جمعوا بين العبادة والعمران*
يزعم المقال أن المسلمين الأوائل تقدموا لأنهم أخذوا “القرآن المنظور” وتركوا “القرآن المسطور”.
وهذا قلب للحقائق.
فالصحابة الذين فتحوا البلاد هم أنفسهم الذين وصفهم الله بقوله:
﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾.وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقيم الليل ويبكي من خشية الله، ومع ذلك أقام أعظم دولة عدل عرفها التاريخ. وكان عثمان رضي الله عنه يختم القرآن في ركعة، ومع ذلك كان من أعظم رجال الإدارة والإنفاق.
فلم يكن سر نهضتهم في تقليل شأن العبادة، وإنما في الجمع بين العبادة والعلم والعدل والعمل.
*سادساً: أخطر ما في المقال تحقير شعائر الدين*
حين يقال إن الصلاة والصيام والحج لا تمثل إلا واحداً في المائة من الإسلام، فإن هذا ليس مجرد خطأ إحصائي، بل مصادمة لمنهج القرآن كله.
فالله تعالى أفرد عشرات الآيات للصلاة والزكاة والصيام والحج.
بل إن الصلاة وحدها ذُكرت في القرآن عشرات المرات.
فهل يكثر القرآن من الحديث عن أمر لا يمثل إلا واحداً في المائة من الدين؟
إن هذا الميزان لم يضعه الله ولا رسوله ﷺ، وإنما هو رأي بشري مجرد.
إن أزمة المسلمين ليست في كثرة الصلاة، ولا في كثرة حفظ القرآن، ولا في كثرة الصيام.
وإنما في الانفصال بين العبادة والسلوك.
فالمطلوب ليس التقليل من شأن الصلاة، بل إقامتها كما أراد الله.
وليس المطلوب التقليل من شأن القرآن، بل فهمه والعمل به.
وليس المطلوب تقديم الأخلاق على العبادة أو العبادة على الأخلاق، بل الجمع بينهما كما جمع بينهما القرآن والسنة.
فالدين في الإسلام كلٌّ متكامل: عقيدة وعبادة وأخلاق ومعاملات وحكم وعدل وعلم وعمل.
ومن فرّق بين هذه الأركان فقد مزّق الدين الذي أنزله الله وحدةً متكاملة قال تعالى (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)
عشان عين يكرموا الف عين
قضيت معظم يوم امس بمستشفي مكة العيون بودمدني بصحبة ابني محمود لانه يعاني من مشاكل قديمة في…





