‫الرئيسية‬ مقالات السيادة أولاً: خارطة الطريق السودانية لسلام لا يُصنع في الغياب
مقالات - ‫‫‫‏‫22 ساعة مضت‬

السيادة أولاً: خارطة الطريق السودانية لسلام لا يُصنع في الغياب

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com

شهدت الساحة السياسية السودانية مؤخراً حراكاً دبلوماسياً رفيع المستوى، تجسد في اللقاء الذي جمع قيادة الجهاز التنفيذي للدولة ببعثة سفراء الاتحاد الأوروبي. هذا اللقاء لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل حمل في طياته رسائل استراتيجية بالغة الأهمية تشكل الملامح الأساسية للسياسة الخارجية والداخلية للسودان في مرحلة حرجة من تاريخه.

إن القراءة المتأنية للمواقف المعلنة خلال هذا الاجتماع تكشف عن تحول جوهري في كيفية تعاطي الدولة السودانية مع المبادرات الدولية، وتؤكد على صياغة معادلة جديدة لإنهاء الأزمات ترتكز على محورين لا غنى عنهما: السيادة الوطنية الكاملة، والإرادة الشعبية الخالصة.

أولى الرسائل وأكثرها حزماً التي تبلورت في هذا الحراك هي التشديد على ضرورة أن تكون الحكومة السودانية لاعباً أساسياً وشريكاً أصيلاً في كل المبادرات الإقليمية والدولية المعنية بالشأن المحلي. هذا الموقف يقطع الطريق أمام أي محاولات لفرض “حلول معلبة” أو مسارات تُطبخ في الغرف المغلقة بعيداً عن مؤسسات الدولة الرسمية.

قاعدة مستقرة: إن رفض أي مخرجات أو نتائج لجهود إقليمية أو دولية تُبذل بمعزل عن الإدارة الشرعية للبلاد، ليس من باب التصلب السياسي، بل هو تمسك بمبدأ “السيادة الوطنية” وحماية الأمن القومي من التدخلات الخارجية التي كثيراً ما تسببت في تعقيد الأزمات بدلاً من حلها.

هذا الحسم الدبلوماسي يعيد صياغة علاقات السودان الخارجية على أساس الندية والشراكة الحقيقية، وليس التلقي السلبي، وهو ما يشكل جدار حماية حقيقي ضد المشاريع التي لا تستصحب المصالح العليا للبلاد.

لم تكتفِ القيادة السودانية بوضع الخطوط الحمراء، بل قدمت بديلاً استراتيجياً وطنياً تمثّل في مبادرة سلام السودان المطروحة أمام الأمم المتحدة. هذه المبادرة التي حظيت بترتيب وترحيب دولي وإقليمي واسع، تعكس جدية الدولة ورؤيتها الشاملة لتحقيق الاستقرار.

إن انتقال النقاش مع الجانب الأوروبي إلى آليات ترجمة هذه الأفكار إلى خطوات عملية على أرض الواقع يمثل النجاح الحقيقي للدبلوماسية السودانية؛ فالأمة السودانية اليوم لا تبحث عن وعود فضفاضة أو تعاطف إنشائي، بل تتطلع إلى مشاريع ملموسة تنهي المعاناة وتؤسس لسلام مستدام يخدم المصلحة الشعبية، باعتبار المواطن هو صاحب المصلحة الأول والأخير في هذه العملية.

لا يمكن الحديث عن سلام واستقرار دون معالجة حقيقية وجذرية للوضع الإنساني. وقد أظهرت المباحثات التزاماً حكومياً تاماً بتسهيل وتأمين إيصال المساعدات الإنسانية والوفاء بمتطلبات الحالة الراهنة لتخفيف المعاناة عن كاهل المواطنين.

هذا الالتزام يعكس أمرين في غاية الأهمية. تفنيد الذرائع التي تحاول بعض الأطراف الخارجية استخدامها للتدخل تحت غطاء العمل الإنساني. وتأكيد المسؤولية الأخلاقية والوطنية للدولة تجاه مواطنيها في كافة أنحاء البلاد دون تمييز.

إن إبداء السودان انفتاحه الكامل على التعاون الدولي والإقليمي يُثبت أن الخرطوم لا تنتهج سياسة الانكفاء أو العزلة، بل تمد يدها لكل من يرغب في تقديم دعم حقيقي صادق، شريطة أن يمر هذا الدعم عبر القنوات الرسمية ويحترم الموقف الحكومي والشعبي.

وفي المقابل، جاءت مداخلات وإفادات سفراء الاتحاد الأوروبي لتؤكد على وعي المجتمع الدولي بأهمية السودان كركيزة أساسية للأمن والاستقرار في المنطقة والعالم. وتطوير آفاق التعاون المشترك بين الجانبين يجب أن يبنى على هذه الأرضية المشتركة: سودان مستقر وآمن وقوي، هو الضمانة الحقيقية لأمن الإقليم بأكمله.

إن حجر الزاوية في أي حراك سياسي قادم يجب أن يرتكز على الرؤية الوطنية الخالصة. لقد وضعت القيادة السودانية في لقائها الأخير النقاط فوق الحروف؛ فالطريق إلى السلام يمر حتماً عبر الخرطوم وبأيدي أبنائها، وأي مجهودات دولية لن يُكتب لها النجاح ما لم تستلهم تطلعات الشعب السوداني وتحترم سيادة دولته. إنها بداية لمرحلة جديدة من الدبلوماسية القائمة على المبادئ الثابتة والمصالح المشتركة.

‫شاهد أيضًا‬

وادي حلفا تحتفي بعودة 580 مواطنا عبر باخرة “سيناء”… جاهزية رسمية وروح شعبية تعزز برنامج العودة الطوعية

في اجواء احتفالية مفعمة بالفرح استقبلت محلية وادي حلفا اولى رحلات باخرة “سيناء” القادمة عب…