‫الرئيسية‬ مقالات السودان… هل تخفي السلطة التقديرية إفلاسًا معرفيًا؟
مقالات - ‫‫‫‏‫4 ساعات مضت‬

السودان… هل تخفي السلطة التقديرية إفلاسًا معرفيًا؟

أصل_القضية | من سلسلة الجسر والمورد  محمد أحمد أبوبكر - باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات 

> عريضة طعن رمزية مقدمة إلى محكمة الشعب السوداني

 

أمام محكمة الشعب السوداني

الدائرة المختصة بالنظر في قضايا الأمل العام والمصلحة الوطنية

 

الطاعن:

المواطن السوداني

بصفته صاحب المصلحة الأصيلة في وجود دولة تتسع لأزماتها دون أن تضيق بمستقبلها.

 

ضــــد

 

المطعون ضده:

الجهاز التنفيذي

بصفته المؤتمن على تحويل الموارد إلى أثر، والسياسات إلى نتائج، والسلطات إلى قدرة.

 

موضوع الطعن

١) طعنٌ لا في شرعية الدولة… بل في كفاءة النموذج الذي يديرها.

 

٢) وطعنٌ لا في أصل الاختصاص… بل في اتساع المسافة بين القرار وأثره.

 

٣) وطعنٌ لا على حق السلطة في التدخل… بل على تحول التدخل من استثناء تفرضه الضرورة إلى نمطٍ يكاد يعيد تعريف وظيفة الدولة نفسها.

وتحديدًا:

> في مدى تحوّل السلطة التقديرية من مساحة لإنتاج الحلول… إلى مساحة لتأجيل الاعتراف بالحاجة إلى تغيير أدوات إنتاجها.

 

الوقائع

حيث إن الطاعن تابع، كما تابع غيره، انتقال الدولة السودانية عبر ملفات متلاحقة تحت ضغط الحرب، وضيق الموارد، وارتفاع التوقعات، وتآكل القدرة المؤسسية على الاستجابة بالسرعة ذاتها.

 

وحيث إن الجهاز التنفيذي أصدر خلال ذلك قرارات وتدخلات مباشرة ذات أثر واسع، بقصد المحافظة على الاستقرار وتقليل الاختلالات ومنع اتساع الفجوات.

 

وحيث إن بعض هذه التدخلات – بما فيها التوسع في الحضور التنفيذي المباشر في بعض الملفات الاقتصادية – لا يثير الجدل حول مشروعيتها بقدر ما يثير سؤالًا أعمق:

 

كيف وصلت الدولة إلى النقطة التي أصبح فيها التدخل ضرورة متكررة؟

 

وحيث إن الأصل في الإدارة الحديثة أن تتطور من إدارة النشاط إلى إدارة المنظومة، ومن معالجة النتائج إلى تصميم البيئة التي تمنع تكرارها…

 

فإن الطاعن لا ينازع السلطة في حق التدخل…

وإنما ينازع المنهج الذي جعل التدخل يتكرر حتى كاد يتحول من علاج إلى وظيفة، ومن استثناء إلى أسلوب إدارة.

 

أسباب الطعن

 

السبب الأول

 

> الخطأ في توصيف الأزمة

ذلك أن الوقائع تشير إلى أن جزءًا معتبرًا من التحدي لا يكمن في ضعف الإرادة التنفيذية، وإنما في محدودية القدرة على تحويل القرار إلى نموذج مستدام.

 

> فالقرار القوي ليس بالضرورة قرارًا ناجحًا.

 

وأحيانًا تكون قوة القرار دليلًا على أن البيئة المؤسسية أصبحت أقل قدرة على إنتاج البدائل.

وعليه يثار أمام المحكمة السؤال الآتي:

> هل التوسع في الحضور التنفيذي يعكس اتساع القدرة…أم اتساع الحاجة؟

 

لأن الدولة التي تتدخل أكثر ليست دائمًا الدولة الأقوى… بل قد تكون الدولة التي لم تتمكن بعد من بناء ما يغنيها عن التدخل.

 

السبب الثاني

> التوسع في استخدام السلطة التقديرية بما يتجاوز مقتضاها الإداري

 

وحيث إن السلطة التقديرية وُجدت أصلًا لتحرير الإدارة من جمود النصوص…

لا لإعفائها من واجب إنتاج المعرفة…

فإن استخدامها المتكرر كأداة لاحتواء نتائج الأزمات دون إعادة تصميم أسبابها، يثير سؤالًا مشروعًا حول العلاقة بين السلطة والقدرة.

 

> إذ إن المؤسسات لا تبدأ في التراجع عندما تخطئ بل عندما تتوقف عن التعلم.

 

وعندما يصبح القرار بديلًا عن التحليل.

والصلاحية بديلًا عن الكفاءة.

والإجراء بديلًا عن الفكرة.

وهنا لا تكون الأزمة أزمة أفراد…

بل أزمة نموذج.

 

السبب الثالث

 

> مخالفة مقتضيات الانتقال من إدارة الموارد إلى إدارة المعرفة

وحيث إن الدول الحديثة لا تُبنى على وفرة الصلاحيات…

بل على سرعة تحويل البيانات إلى سياسات…

فإن استمرار إنتاج الحلول بالأدوات نفسها رغم تغير الوقائع قد يكون مؤشرًا على فجوة معرفية أكثر منه فجوة تشغيلية.

وفي هذا السياق يستأنس الطاعن – استدلالًا فكريًا لا تأسيسًا قانونيًا – بفكرة مركزية مفادها أن التوتر لا يولد من الحرمان وحده…

بل من اتساع الفجوة بين التوقع والاستجابة.

 

والطاعن يضيف:

المؤسسات أيضًا تتمرد.

لكن تمردها لا يُسمع في الشوارع.

بل يُقرأ في تضخم الإجراءات.

وفي تمدد الاستثناء.

وفي كثرة ما يُدار…

وقلة ما يُحل.

 

دفوع المطعون ضده المتوقعة

 

○ قد يدفع المطعون ضده بأن المرحلة استثنائية.

 

○ وأن الحرب لا تسمح برفاهية النماذج المثالية.

 

○ وأن التدخل المباشر ضرورة لا خيار.

 

وهو دفعٌ معتبر.

 

لكن الطاعن لا ينازع في شرعية الضرورة.

وإنما ينازع في تمديد عمرها.

فالاستثناء إذا طال…

لم يعد استثناء.

بل أعاد تشكيل الأصل.

 

سيدي رئيس المحكمة…

 

إن هذه العريضة لا تلتمس إدانة أحد.

 

ولا تطلب إعلان إفلاس الخدمة المدنية.

ولا تنزع عن الدولة حقها في التدخل.

إنها تلتمس من المحكمة إعلان انتهاء صلاحية النموذج الذي يفترض أن وفرة الصلاحيات يمكن أن تعوض ندرة المعرفة…

وأن كثافة القرار تستطيع أن تؤجل استحقاق الإصلاح.

لأن الدول لا تُقاس بحجم ما تدير…

بل بحجم ما تجعل إدارته أقل احتياجًا.

ولا تُقاس بعدد القرارات…

بل بعدد الأزمات التي استطاعت أن تحولها إلى فرص.

 

وتنحصر الطلبات فيما يلي :

يلتمس الطاعن من محكمة الشعب السوداني الآتي:

 

أولًا: قبول الطعن شكلًا باعتبار أن موضوعه متعلق بالمصلحة العامة.

 

ثانيًا: وفي الموضوع…

● الحكم بإعادة تعريف النجاح التنفيذي من سرعة التدخل إلى جودة البناء المؤسسي.

● الحكم بإعادة بناء الخدمة المدنية على إنتاج المعرفة لا إدارة الصلاحية.

● الحكم بالانتقال من إدارة الاستثناء إلى هندسة الاستقرار.

● الحكم باعتبار الأزمات موارد كامنة لا أعباء مزمنة.

 

> لأن أخطر ما يصيب الدول ليس نقص الموارد… بل استمرار النجاح المؤقت في إخفاء الحاجة إلى تغيير النموذج

 

على أمل أن يكون منطوق الحكم المقترح كما يلي :

 

«بعد الاطلاع على الوقائع وسماع المرافعات…

 

ثبت للمحكمة أن الأزمات ليست دليل سقوط الدول…

بل اختبار قدرتها على التعلم.

وثبت لها أن التوسع في السلطة دون توسع موازٍ في إنتاج المعرفة يورث هشاشة مؤجلة لا قوة مستدامة.

 

وعليه تقضي المحكمة:

 

بالانتقال من عقل إدارة الاختناق…

إلى عقل هندسة الفرص.

ومن إدارة البقاء…

إلى صناعة المستقبل.

ومن استهلاك الأزمة…

إلى الاستثمار فيها.

ذلك هو جوهر العبور…

 

وذلك هو #أصل_القضية.

 

وفي رؤية الجسر والمورد… لا نؤمن أن الأزمات أبواب مغلقة، بل نوافذ لا تُرى إلا من جهة المستقبل.

‫شاهد أيضًا‬

عطبرة مدينة تنام بحذر… وتفعل وضع الطيران

بين آلاف المنشورات التي تعبر يومياً على منصات التواصل الاجتماعي، ثمة نصوص تجبرك على التوقف…