الصحافة السيادية: عبء الكلمة في زمن معركة الكرامة
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
تمر الدول في منعطفاتها التاريخية الكبرى باختبارات قاسية لا تقتصر على المواجهات العسكرية في الميادين فحسب، بل تمتد لتشمل جبهات أشد شراسة وعمقاً، وهي جبهات صناعة الوعي العام وإدارة التدفق المعلوماتي. في ظل الحرب الوجودية التي تعيشها البلاد اليوم، يبرز الإعلام الوطني ليس كأداة ترفيهية أو ناقل محايد للأخبار، بل كركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي، تقع على عاتقها مسؤولية حماية الجبهة الداخلية من التصدع والانهيار أمام سيل الشائعات الممنهجة.
لقد كشفت التطورات الأخيرة عن تنامي حملات إعلامية خبيثة تدار من غرف مظلمة وبتنسيق عابر للحدود، تستهدف بشكل مباشر استقرار البلاد وبث الرعب واليأس في نفوس المواطنين. ولم يعد الاستهداف مقتصرًا على التشكيك في القدرات العسكرية، بل تحول بوضوح نحو ضرب المقومات الاقتصادية والاجتماعية عبر ترويج أرقام مفبركة حول انهيار العملة الوطنية، والادعاء الكاذب بانعدام المشتقات البترولية، متجاهلين بوعي تام الخطط الحكومية الناجحة التي أفضت إلى استقرار الإمدادات وتأمين احتياجات السوق الأساسية.
إن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في الآلة الإعلامية المعادية المرتبطة بالمليشيات المتمردة، بل في الانزلاق غير الواعي لبعض الأقلام المحسوبة على الصف الوطني والداعمة للمؤسسة العسكرية في فخ تبني هذه الحملات وتضخيمها. هذا النمط من التعاطي، الذي يمكن وصفه بـ “صحافة هجم النمر”، يمارس إرهاباً فكرياً ونفسياً على المجتمع من خلال إطلاق صيحات التحذير الزائفة والتهويل المستمر. فعندما تتحول أقلام وطنية إلى منابر مجانية لنشر شائعات الإقالات السيادية وفبركة فكرة تصفية وظائف الخدمة المدنية -والتي لم تكن في حقيقتها سوى مقترح اختياري للمعاش المبكر- فإنها تساهم، بقصد أو بدون قصد، في زعزعة الثقة بالدولة وتخدم الأجندة التدميرية ذاتها.
“إن الشفافية والمسؤولية الأخلاقية في هذا التوقيت الدقيق ليستا خياراً مهنياً ثانوياً، بل هما خط الدفاع الأول عن بقاء الدولة ومؤسساتها من التحلل الوجداني والسياسي.”
في مقابل هذا الضجيج الهدام، تتحرك الحكومة الحالية بمنهجية جديدة تبتعد عن المسكنات الوقتية، وتخوض بجرأة في أمهات القضايا الوطنية والاستراتيجية المزمنة التي عجزت عن معالجتها الحقب السابقة. وتتكامل هذه الرؤية النهضوية مع حراك ثقافي وإعلامي ملموس يهدف إلى تزكية روح السلام وترميم الوجدان الجمعي، من خلال مبادرات نوعية كأمسيات التعافي الوجداني في الحواضر التاريخية مثل أمدرمان، وملتقيات تنشيط السياحة الإقليمية، والمسارح المفتوحة التي تناهض شائعات المليشيات حول عدم استقرار المدن الآمنة كالأبيض وغيرها.
إن صناعة إعلام موازن يتطلب الإسراع في صياغة قانون جديد للصحافة والمطبوعات يستصحب المتغيرات الرقمية الحديثة، وينظم العلاقات بين مؤسسات الإعلام والدولة على أسس متينة من الشفافية والتواصل الوثيق، لضمان إيصال السردية الحقيقية للحرب إلى الرأي العام العالمي والأوساط الأجنبية.
إن المخرج الوحيد من هذه الأزمة التوعوية يكمن في صياغة ميثاق شرف وطني متجدد، وتحت شعار واضح يربط بين مهنية الحرف ووطنية الموقف. يجب على الأسرة الصحفية بمختلف تياراتها تجاوز الخلافات البينية الضيقة، وإعلاء المصلحة العليا للأمة. إن الدولة التي تعايش واقع الحرب تحتاج إلى ظهير إعلامي صلب يتكأ عليه القرار السياسي والعسكري، وليس إلى منصات تتبارى في صيد الإشاعات. إن التلاحم بين المسؤولين والإعلاميين لبلورة رؤية موحدة هو الضمانة الأكيدة لكسر موجات الاستهداف الممنهج، والعبور بالبلاد نحو بر الأمان والنهضة المستدامة.
السودان يكتب ملحمة البقاء
في لحظة فارقة من تاريخ السودان، يقف الشعب وقواته المسلحة صفاً واحداً في مواجهة المليشيات ا…





