الإمارات في مرآة الدم السوداني
نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

في قلب المشهد السوداني المشتعل، حيث تتعانق أصوات البنادق مع أنين الضحايا، يطلّ الدور الإماراتي كظلٍ ثقيلٍ يضاعف المأساة ويطيل أمد النزيف. إنّ استمرار تدفق المال والسلاح والمرتزقة ليس سوى وقوداً يذكي نار الحرب، ويحوّل أرض السودان إلى مسرحٍ دامٍ تتقاطع فيه المصالح وتُزهق فيه الأرواح بلا حساب. وما بين عنادٍ لا طائل منه ومكابرةٍ لا معنى لها، تتبدّى الحقيقة واضحةً كالشمس: الإمارات لا تجني من هذا التدخل إلا خسائر فادحةً، لا على مستوى الميدان فحسب، بل على مستوى السمعة والشرعية والمكانة الدولية.
إنّ التاريخ لا يرحم، والعدالة لا تغفل، والذاكرة الجمعية للشعوب لا تُمحى. فكلّ رصاصةٍ تُطلق، وكلّ دمٍ يُسفك، وكلّ مرتزقٍ يُستجلب، هو شاهدٌ حيّ على تورّطٍ سيُسجّل في دفاتر المحاكم الأوروبية وفي سجلات المحكمة الجنائية الدولية، حيث لا تنفع الأعذار ولا تجدي التبريرات.
إنّ التدخل الدموي في السودان ليس مغامرةً عابرةً، بل هو خطيئةً كبرى ستظلّ تطارد المسؤولين الإماراتيين، وتضعهم في مواجهة تحقيقات وملاحقات قانونية لا مفرّ منها، لتتحوّل صورة الدولة من واحةٍ للاستقرار إلى متّهمٍ في قفص العدالة.وليس الانسحاب من هذا المشهد هزيمةً كما قد يتوهّم البعض، بل هو قوةً وعقلانيةً وحكمةً، بل هو قرارٌ يُعيد للدولة توازنها ويجنّبها الانزلاق نحو هاوية الخراب.
إنّ الخروج الفوري من هذا النفق المظلم هو السبيل الوحيد لحفظ ماء الوجه، إن كان ثمة وجهٌ يُراد حفظه، وهو الخطوة التي ستُقرأ دولياً كإشارةٍ إلى نضجٍ سياسيٍّ ورشدٍ قياديٍّ طال انتظاره. أما الاستمرار في المكابرة، فهو مقامرةٌ خاسرةٌ ستُسجّل في التاريخ كوصمةٍ لا تُمحى، وستجعل الإمارات تدفع أثماناً قانونيةً باهظةً، وتواجه تشويهاً لسمعتها لا يليق بما بنت عبر عقودٍ من العمل والجهد.
لقد آن الأوان أن يتخذ حكام الإمارات قراراتهم بالإجماع، وأن يضعوا مصلحة دولتهم فوق أي حساباتٍ ضيقةٍ أو أوهامٍ عابرةٍ. فالسودان ليس ساحةً لتصفية الحسابات، ولا ميداناً لتجريب المغامرات العسكرية، بل هو بلدٌ عريقٌ يستحق أن يُترك لأهله ليقرروا مصيرهم بعيداً عن التدخلات الخارجية التي لم تجلب سوى الدماء والدمار. إنّ الخروج الآن سيُسجّل كخطوةٍ شجاعةٍ تحفظ للإمارات ما تبقّى من صورتها، أما الاستمرار فسيعني خراباً يطال الدولة التي قامت على أكتاف السودانيين، ويهدم ما بُني عبر عقودٍ من العرق والكدّ والعمل.
إنّ الرسالة جليّة:الانسحاب لم يعد خياراً ثانوياً يمكن التفكير فيه لاحقاً، بل هو ضرورة وجودية تفرضها حقائق اللحظة الراهنة. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، بل يُكتب الآن بأقلام القرارات التي تُتخذ اليوم، والخيارات التي تُحسم في هذه الساعة ستشكّل ملامح الغد وتحدد موقع الإمارات في مسار الأحداث.
نحن أمام مفترق طرق حاسم، حيث لا مجال للمناورة أو التردد: إمّا أن تختار قيادة أبوظبي الحكمة وتخرج بأقل الخسائر الممكنة، فتثبت أنّها قادرة على قراءة الواقع بعينٍ بصيرة، وإمّا أن تواصل المكابرة والعناد، فتجد نفسها في مواجهة خرابٍ شامل يطال البنية الداخلية ويجعلها عبرةً للأمم.
إنّ التمسك بالمسار الحالي ليس سوى مقامرة بمستقبلٍ كامل، بينما الانسحاب المدروس يفتح الباب أمام إعادة التموضع، واستعادة التوازن، وحماية ما تبقى من مكتسبات. فالتاريخ لا يرحم من يتجاهل إشاراته، والقرارات المصيرية لا تُؤجَّل إلى الغد، لأن الغد قد يأتي محمّلاً بما لا يمكن احتماله.
meehad74@gmail.com
حياد العقل… أكذوبة
ليس أخطر ما يهدد الدول أن تختلف العقول، وإنما أن يتوهم بعض الناس أن الوطن لا يتسع إلا لعقل…





