يا الجنينة… يا الجنة
د. ميمونة سعيد باحثة استراتيجية وكاتبة صحفية

“يا الجنينة… يا الجنة”… ليست مجرد عبارة يرددها الشجعان وهم يبذلون الغالي والنفيس يحملون ارواحهم فداءاً للوطن.
بل هي حكاية مدينة كتبت تاريخها بين الوديان والجبال، وحملت في اسمها معنى الحياة، رغم أن سنوات الحرب حاولت أن تجعلها عنوانًا للألم. واليوم، يردد جبل مون صدى هذه العبارة من جديد، وكأنه يبشر بأن للمدن الصابرة موعدًا مع الأمل مهما طال الانتظار.
ثلاثة أعوام وأكثر مرت على الجنينة وهي تواجه واحدة من أقسى المحن في تاريخها الحديث. سنوات حفرت جراحًا عميقة في ذاكرة المدينة، وتركت خلفها قصصًا لا تستطيع الكلمات أن تحصيها. ففي تلك الأرض اختلطت دموع الأمهات بدماء الأبناء، وامتلأت الوديان بحكايات أناس لم يكن ذنبهم سوى أنهم وجدوا أنفسهم بين ذئاب بشرية لا تعرف للرحمة ولا الانسانية معنى.
لم تكن الجنينة يومًا مجرد مدينة على أطراف السودان، بل كانت بوابةً لغرب البلاد، وملتقىً للتجارة والتنوع الاجتماعي، ورمزًا للتعايش بين مكونات متعددة. غير أن الحرب غيّرت ملامحها، وحولتها إلى واحدة من أكثر المدن السودانية تأثرًا ، حيث فقدت آلاف الأسر الأمن والاستقرار، ودفعت ثمنًا إنسانيًا باهظًا.
واليوم، تعود الجنينة إلى واجهة الأحداث مع استمرار العمليات العسكرية في محيطها، في واحدة من أكثر المعارك تعقيدًا بالنظر إلى طبيعة المنطقة واتساعها وبعدها عن المركز وأهميتها الاستراتيجية. فالمدينة لا تمثل هدفًا عسكريًا فحسب، بل تحمل قيمة سياسية وإنسانية، إذ ينظر إليها كثير من السودانيين باعتبارها مفتاحًا لعودة مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار في كل ولايات دارفور.
لقد شهدت الجنينة خلال سنوات الحرب التي شنتها قوات الدعم السريع على الدولة أحداثًا مأساوية، كان من أبرزها مقتل والي ولاية غرب دارفور، خميس عبد الله أبكر، إلى جانب أعمال عنف واسعة وثقتها تقارير محلية ودولية، وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين ونزوح أعداد كبيرة من السكان. وقد تركت تلك الأحداث جرحًا عميقًا في وجدان أهل المدينة، وجعلت استعادة الأمن فيها مطلبًا إنسانيًا قبل أن يكون هدفًا ميدانيًا.
ينتظر سكان الجنينة دخول القوات المسلحة والمشتركة والقوات المساندة لتتاح لهم عودة الأمن والخدمات، وعودة النازحين إلى ديارهم، وإعادة فتح المدارس والأسواق والمرافق الصحية، لتستعيد المدينة شيئًا من حياتها الطبيعية بعد سنوات من المعاناة.
إن القيمة الحقيقية اهذا التقدم لا تُقاس فقط بما يتم تحقيقه من انتصار على الأرض، وإنما ينتظرون توفير بيئة أكثر أمنًا للسكان، وتمكين مؤسسات الدولة من أداء واجباتها، وتهيئة الظروف للعدالة وإعادة الإعمار والمصالحة. فاستقرار المدن لا يكتمل إلا عندما يشعر المواطن بأن حياته وكرامته وحقوقه مصونة في ظل سيادة القانون.
تبقى الجنينة اليوم عنوانًا لمرحلة دقيقة من تاريخ السودان، ويمثل مستقبلها جزءًا من مستقبل دارفور بأكملها. ويظل الأمل أن تكون نهاية المعارك الطريق أمام مرحلة جديدة، يكون عنوانها الأمن، والعدالة، وإعادة البناء، حتى تعود المدينة التي أحبها أهلها كما كانت، مدينةً للحياة بعد سنوات طويلة من الألم.
الإمارات في مرآة الدم السوداني
في قلب المشهد السوداني المشتعل، حيث تتعانق أصوات البنادق مع أنين الضحايا، يطلّ الدور الإما…





