السودان في جنيف: صرخة سيادة وميلاد دبلوماسية شعبية جديدة
شيء للوطن م.صلاح غريبة- مصر

Ghariba2013@gmail.com
في خضم الضجيج المدمّر لأصوات المدافع وأزيز الطائرات الذي يطحن مقدرات الدولة السودانية، وفي وقت تتزاحم فيه الأجندات الإقليمية والدولية على أشلاء الوطن، جاءت الدورة الثانية والستون لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف لتشهد اختراقاً سودانياً خالصاً. لم يكن هذا الاختراق عبر القنوات الرسمية التقليدية التي أثقلتها التجاذبات، بل جاء عبر منصة الدبلوماسية الشعبية التي يمثلها تجمع السودانيين بالخارج “صدى”. إن القراءة المتأنية للورقة التي قدمها التجمع عبر مسؤول لجنة القيادات الناشئة، الشاب محمد صالح، لا تضعنا أمام مجرد “مشاركة بروتوكولية” في أروقة الأمم المتحدة، بل نحن أمام وثيقة وطنية متكاملة وخريطة طريق جريئة تعيد صياغة السردية السودانية أمام العالم.
لطالما تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة السودانية باعتبارها سلسلة من الإحصائيات الجافة: أعداد النازحين، معدلات الجوع، وخسائر البنية التحتية. لكن الأطروحة التي قدمها تجمع “صدى” نجحت في أنسنة هذه المأساة، محولةً الأرقام إلى نداء استغاثة وجودي. إن تسليط الضوء على انعدام الأمن الغذائي والنزوح القسري لم يكن مجرد استعراض للمأساة، بل كان محاكمة أخلاقية لضمير العالم الدبلوماسي.
الأكثر أهمية في هذا الطرح هو الانتباه الذكي لقضية بالغة الخطورة وغالباً ما يتم تهميشها في التقارير الأممية، وهي “الاستهداف الممنهج للمواقع الثقافية والتاريخية”. هذا الطرح يدرك بعمق أن الحرب الدائرة لا تستهدف فقط الجسد السوداني ومقدراته المادية، بل تسعى لاغتيال ذاكرته وهويته الوطنية. إن تدمير الأعيان المدنية والثقافية، كما أوضحت الورقة، هو محاولة لقطع جذور الأمة، وتوثيق ذلك أمام مجلس حقوق الإنسان يعد خطوة متقدمة لضمان عدم إفلات طامسي التاريخ من العقاب.
من أبرز ما يمنح هذه المشاركة وزنها السياسي هو شجاعتها في تجاوز المواربة الدبلوماسية المعتادة. فقد وضعت الورقة إصبعها على الجرح النازف المتمثل في “التدخلات الخارجية”. لا يخفى على أي مراقب أن استدامة آلة الحرب في السودان لم تكن لتستمر لولا خطوط الإمداد والتغذية اللوجستية والسياسية التي توفرها أطراف خارجية تستثمر في اللادولة.
إن دعوة التجمع المجتمع الدولي بوضوح لفرض رقابة صارمة ووقف دعم الجماعات المسلحة تمثل عودة محمودة للتمسك بمبدأ “السيادة الوطنية”. لقد أوصل “صدى” رسالة قاطعة مفادها أن أي مقاربة دولية للحل تتجاهل سيادة السودان ووحدة أراضيه، أو تتعامل مع الفاعلين غير الحكوميين كأنداد للدولة، هي مقاربة محكوم عليها بالفشل، بل وتعد تواطؤاً في إطالة أمد النزاع.
لعل النقطة الأكثر إشراقاً في ورقة العمل المقدمة هي الرؤية الاستشرافية لمرحلة ما بعد الحرب. تاريخياً، غالباً ما تفشل خطط “إعادة الإعمار” الأممية لأنها تأتي كقوالب جاهزة تُفرض من أعلى إلى أسفل. هنا، يبرز النضج السياسي لتجمع “صدى” باشتراط “توطين الحلول”.
الرهان على تمكين المبادرات المحلية المستقلة ومنظمات المجتمع المدني السودانية هو رهان على المناعة الطبيعية للمجتمع السوداني. هؤلاء الفاعلون المحليون، الذين أثبتوا بسالة منقطعة النظير عبر “غرف الطوارئ” والمبادرات الأهلية في أحلك ظروف الحرب، هم الأجدر بقيادة مرحلة التعافي ورتق النسيج الاجتماعي. إن بناء السلام من القواعد إلى القمة هو الضمانة الوحيدة لسلام مستدام لا تذروه رياح التغيرات السياسية.
لا يمكن تجاوز الدلالة الرمزية العميقة لاختيار التجمع لشاب ينتمي للقيادات الناشئة لتقديم هذه الورقة المفصلية. في وقت يدفع فيه شباب السودان الفاتورة الأبهظ للحرب، من دماء ومستقبل تعليمي وأحلام مهدرة، يتقدم هذا الجيل نفسه ليحمل راية الدفاع عن بلاده في أعلى المنابر الحقوقية الدولية. إن ظهور الكوادر الشبابية في واجهة العمل الدبلوماسي الشعبي يعكس حيوية متجددة في الشارع السوداني وفي أوساط المغتربين، ويؤكد أن السودان يمتلك عقولاً قادرة على استلام الراية، والتحدث بلغة القانون الدولي، وصياغة الحجج، ومقارعة المجتمع الدولي بالحجة والبرهان.
في الختام، إن مشاركة تجمع السودانيين بالخارج “صدى” في جنيف ليست مجرد حدث عابر يُسجل في مضابط الأمم المتحدة، بل هي جرس إنذار وإعلان موقف. لقد أثبت المغترب السوداني أنه ليس مجرد “رقم اقتصادي” يرسل التحويلات المالية لإعاشة عائلته، بل هو “درع دبلوماسي” قادر على النضال المؤسسي السلمي. هذه الورقة تمثل وثيقة عهد بأن قضية السودان العادلة لن تُنسى، وأن مساعي العدالة، وحماية المدنيين، وحفظ استقرار الدولة ووحدتها، ستظل أولوية تفرض نفسها على طاولة المجتمع الدولي، طالما أن هناك صوتاً سودانياً حراً يتردد صداه في المحافل الأممية.
الإمارات في مرآة الدم السوداني
في قلب المشهد السوداني المشتعل، حيث تتعانق أصوات البنادق مع أنين الضحايا، يطلّ الدور الإما…





