‫الرئيسية‬ مقالات حياد العقل… أكذوبة
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

حياد العقل… أكذوبة

إتجاه البوصلة  الجزولي هاشم

ليس أخطر ما يهدد الدول أن تختلف العقول، وإنما أن يتوهم بعض الناس أن الوطن لا يتسع إلا لعقلٍ واحد، ورأيٍ واحد، وصوتٍ واحد. فمنذ أن استخلف الله الإنسان في الأرض، لم يجعل القوة جوهر الاستخلاف، ولا المال، ولا السلاح، وإنما جعل العقل مناط التكليف، وميزان الإدراك، وأداة التمييز بين الحق والباطل، وبين الصواب والخطأ.

والعقل بطبيعته لا يعمل خارج ميزان المفاضلة؛ فهو يزن، ويقارن، ويختار، ويقبل، ويرفض. وما دام لكل إنسان حق القبول وحق الرفض، فإن الاختلاف ليس استثناءً في الحياة، بل هو قانونها. لذلك فإن محاولة إلغاء الاختلاف ليست حربًا على الخصوم، وإنما حرب على طبيعة الإنسان نفسها.

ومن هنا تبدأ أكبر أوهام السياسة… وهم الحياد والشخصية المستقلة.

فلا يوجد إنسان بلا قناعة، ولا مجتمع بلا اتجاهات، ولا أمة بلا مدارس فكرية. وحتى من يعلن أنه لا ينتمي إلى حزب أو تنظيم، فإنه ينتمي -شعوريًا أو لا شعوريًا- إلى منظومة من الأفكار والقيم والرؤى. فالأفكار لا تحتاج إلى بطاقات عضوية حتى تكون موجودة، وإنما تحتاج إلى عقول تؤمن بها وقلوب تدافع عنها.

ولهذا فإن الاعتقاد بإمكانية استئصال فكرة عبر إقصاء أصحابها، أو بناء وطن بإبعاد جزء من مكوناته، ليس مشروعًا سياسيًا، بل وهمٌ تاريخي أثبتت التجارب سقوطه في كل زمان ومكان. فالإقصاء لا يقتل الفكرة، وإنما يدفعها إلى الهامش، حيث تعود أكثر صلابة، وأكثر قدرة على إنتاج الأزمات، لأن الأفكار لا تموت بالنفي، وإنما تتحول إلى ردود أفعال أشد قسوة.

لكن الوهم لا يقف عند الإقصاء وحده، بل يمتد إلى اعتقادٍ آخر لا يقل خطورة؛ وهو أن مستقبل الأوطان يُبنى بالانشغال الدائم بمحاكمات الماضي، أو بتحويل النقد إلى جلدٍ للذات.

إن مراجعة التجارب ضرورة، واستخلاص الدروس واجب، أما تحويل التاريخ إلى ساحة اتهامات مفتوحة، أو مطالبة المجتمع بأن يظل غارقًا في جلد ذاته، فليس مراجعةً ولا إصلاحًا، بل هو أشبه بمحاولة جر القطار إلى الخلف بينما العالم كله يتحرك إلى الأمام. فالقطارات لا تصل إلى وجهاتها بالنظر المستمر إلى المحطات التي غادرتها، وإنما بتصحيح المسار والانطلاق نحو المحطة القادمة.

إن الأمم العظيمة لا تنكر أخطاءها، لكنها أيضًا لا تجعلها وطنًا دائمًا تعيش داخله. تتعلم منها، ثم تتجاوزها، وتحوّل التجربة إلى معرفة، والخسارة إلى خبرة، والتاريخ إلى منصة انطلاق نحو المستقبل، لا إلى قيود تشدها إلى الوراء.

إن الدول العاقلة لا تبحث عن وطن بلا اختلاف، وإنما تبحث عن إدارة راشدة للاختلاف. فالتنوع ليس تهديدًا للأمن القومي، وإنما يصبح تهديدًا عندما يتحول إلى خصومة وجودية، أو عندما تصر النخب على تحويل المنافسة السياسية إلى معركة إلغاء، أو عندما يصبح الماضي سجنًا يمنع المستقبل من أن يولد.

ولذلك فإن السودان اليوم لا يحتاج إلى من يحتكر الحقيقة، ولا إلى من يحتكر توزيع الاتهامات، بقدر حاجته إلى من يحترم حق الآخرين في البحث عن الحقيقة، ويؤمن بأن المستقبل لا يُبنى بالانتقام من الأمس، وإنما بالاستفادة من دروسه. فالأمم التي تكرر أخطاءها تهلك، والأمم التي تكرر البكاء على أخطائها فلا تتقدم.

ويحتاج السودان إلى رجال ونساء يمتلكون سلامة الوجدان قبل براعة الخطابة، ويؤمنون بأن الرأي المخالف ليس عدوًا، وإنما شريك في صناعة المستقبل.

ومن بين هؤلاء يمكن أن يتشكل الجسم الوطني الذي يقود الحوار الحقيقي؛ جسم لا تحركه الرغبة في الثأر، ولا تحكمه حسابات الغلبة، ولا ينطلق من عقلية المنتصر والمهزوم، بل من قناعة راسخة بأن الوطن أكبر من الأحزاب، وأوسع من الأيديولوجيات، وأبقى من الحكومات.

فالمطلوب ليس لجنة لإدارة الخلاف، وإنما قيادة أخلاقية لإدارة التوافق؛ قيادة تمتلك عقلًا منفتحًا، وضميرًا حيًا، وشخصية متوازنة، تقبل النقد بوصفه وسيلةً للتقويم لا أداةً للهدم، وتحترم التنوع كما تحترم الثوابت، وتدرك أن التوافق لا يعني ذوبان الأفكار، وإنما تنظيم اختلافها داخل إطار وطني جامع.

إن الأمم التي نهضت لم تنتصر لأن الجميع كانوا متشابهين، وإنما لأنها امتلكت مؤسسات تستوعب المختلفين، وتحول تنوعهم إلى طاقة بناء، وتحول إخفاقات الماضي إلى خبرة للمستقبل، لا إلى أغلال تقيد حركة التاريخ.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرق أبواب كل غرفة تفكيرنا كسودانيين :

هل نريد أن نبني وطنًا يتعلم من الماضي… أم وطنًا يعيش أسيرًا له؟ وهل نريد دولة تتسع للعقول جميعًا… أم سلطة لا تتسع إلا لصوتٍ واحد؟

ذلك هو الفارق بين دولة تصنع المستقبل، ودولة تعيد إنتاج أزماتها.

اتجاه البوصلة:

ليس المطلوب أن نجلد أنفسنا، ولا أن نمحو ذاكرتنا؛ المطلوب أن نحسن قراءة التاريخ، ونستخلص دروسه، ثم نطلق قطار المستقبل إلى الأمام. فكل مشروع يبدأ بالإقصاء ينتهي بالإقصاء، وكل مشروع يبقى أسير الماضي يفقد المستقبل، أما الوطن الذي يحترم العقل، ويحسن إدارة الاختلاف، ويتعلم من تجاربه دون أن يستسلم لها، فهو وحده القادر على صناعة سلامٍ دائم، وعدالةٍ مستقرة، ودولةٍ تتسع للجميع.

‫شاهد أيضًا‬

الإمارات في مرآة الدم السوداني

في قلب المشهد السوداني المشتعل، حيث تتعانق أصوات البنادق مع أنين الضحايا، يطلّ الدور الإما…