‫الرئيسية‬ مقالات هل ينجح الانتقال الديمقراطي في السودان ؟- الأحزاب أحوج للإصلاح والهيكلة من الجيش (حزب الوطن) !
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

هل ينجح الانتقال الديمقراطي في السودان ؟- الأحزاب أحوج للإصلاح والهيكلة من الجيش (حزب الوطن) !

السفير / رشاد فراج الطيب

كثرت في السنوات الأخيرة الدعوات إلى إصلاح القوات المسلحة وإعادة هيكلتها – خاصة بعد إسقاط نظام الانقاذ – حتى بدا وكأن أزمات السودان كلها تختزل في الجيش فقط دون غيره !

 

وتصدرت بعض الأحزاب ، ولا سيما ذات التوجهات اليسارية محدودة القاعدة الجماهيرية ، حملات متواصلة للهجوم على المؤسسة العسكرية ، وانتهت إلى اعتبار “هيكلة” الجيش هي المدخل الرئيس للتحول والانتقال الديمقراطي في مزايدة مفضوحة .

 

غير أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل ذلك هو : هل الأحزاب السودانية نفسها مؤهلة لبناء نظام ديمقراطي ؟

باعتبار أن الأحزاب هي عماد النظام الديمقراطي ولا ديمقراطية بلا أحزاب كما يقول الكتاب ،

ام أنها غير مؤهلة وهي أولى بالإصلاح وإعادة “الهيكلة” من الجيش .

 

إن الديمقراطية لا تُبنى بالشعارات ، وإنما بالمؤسسات ، ولا يمكن لحزب لا يمارس الديمقراطية داخله أن يؤسس ديمقراطية راشدة ومستدامة لحكم الدولة .

 

فالواقع السياسي السوداني يكشف أن عدد الأحزاب والتنظيمات والحركات بلغ حدًا يصعب حصره ، بينما يفتقر كثير منها إلى فلسفة سياسية واضحة تبرر قيامها ، أو مشروع وطني جامع تتبناه ، أو برنامج اقتصادي واجتماعي يعالج أزمات البلاد ، وقد وضح ذلك جليا عندما تصدرت كثير من الأحزاب الحملة والدعوة لإسقاط حكومة البشير تحت شعار عدمي اسمه : “تسقط بس” وعندما سقطت لم يكن في جراب تلك الأحزاب التي حكمت برنامج بديل غير “الخواء” !

 

وتحولت الانقسامات الشخصية والمصلحية إلى وسيلة لإنتاج المزيد من الأحزاب ، حتى أصبح السودان من أكثر دول العالم نشاطا في انتاج الأحزاب والحركات المسلحة ، وأقلها في فاعلية الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية .

 

والأخطر أن كثيرًا من هذه الأحزاب يطالب بالديمقراطية ، بينما لا يمارسها داخل مؤسساته ،

فقيادات عديدة بقيت في مواقعها عشرات السنين دون انتخابات حقيقية أو تداول للقيادة وبعضها علي حاله منذ عهد الأزهري وقد أصيب بحمي الكنكشة والضنك والعقم فلم يعد ينجب فكرة أو ينتج حلولا ، وبعضها لا يعرف القيادة الجماعية ولا الشورى المؤسسية ، وتغيب عنه الشفافية والحوكمة والإفصاح المالي .

 

كما أن بعضها لا يزال يعيش على أمجاد الآباء وتاريخ الأجداد أكثر من اعتماده على برامج للمستقبل ، بينما يقوم بعضها الآخر على عصبيات قبلية أو جهوية أو أيديولوجيات مغلقة ، أو ربما يرتبط بدعم وعلاقات خارجية ضارة باستقلال القرار والأمن الوطني أملا ان تحمله يوما الي الحكم !

 

وفي المقابل ، فإن الجيش السوداني ، منذ أكثر من مائة عام ، يقوم على قواعد مؤسسية راسخة ؛ وقيادات مؤهله بالعلوم والمهارات ، وتسلسل هرمي وتراتبية منضبطة ، وعمل جماعي ، ولوائح ملزمة ، ومحاسبة ، وتقييم مستمر ، وتعاقب قيادي وفق التقاليد العسكرية ، لا وفق احتكار المناصب ، وليت الأحزاب تفعل ذلك .

 

وللجيش رسالة ومهام وطنية ثابتة لا تتبدل ، هي حماية سيادة الوطن وحدوده ، والدفاع عن أمنه ووحدة أراضيه وشعبه ، وهو يقوم بمهامه الآن في صد العدوان ، ويقدم الدماء والشهداء ويحرر التراب والمدن دون من ولا أذي ، ثم يأتي من يلومه ويتهمه بالتقصير ، فما هي مهمة ورسالة الأحزاب في حياتنا .

 

وماذا قدمت للمواطن منذ بداية الحرب والعدوان وحتي الآن والشعب يكابد الحرمان والنزوح واللجوء والمسغبة ؟

ماذا قدمت من إسناد للجيش أو من مواساة لضحايا الحرب ولأسر الشهداء أو قدمت من رؤية لتطبيع الحياة ولإعادة الإعمار .

 

اما الجيش فهو يقوم بواجباته منذ أول يوم ، لأن كل فرد فيه بدءا من الجندي إلى القائد العام قد أدوا “قسمًا” مغلظا منذ بداية خدمتهم ، عاهدوا فيه علي العطاء من أجل الوطن حتي لو أدي ذلك بالتضحية والمجازفة “بحياتهم” ، فهل يفعل ساسة الأحزاب ذلك !

 

وعندما نادى نداء الواجب ، عرف كل جندي موقعه ومهمته دون تعبئة أو حشد سياسي وبلغ الي وحدته العسكرية وعرف مكان ونوع سلاحه ، لأن عقيدته تقوم على أن الوطن هو الغاية فهل تفعل أحزابنا ذلك ؟

 

وفي المقابل نري للأسف أن كثيرا من الساسة ورجال الأحزاب قد هرعوا – وقبل أن تضع الحرب أوزارها وينقشع غبار المعركة ويكتمل النصر وتجف الدماء – بحثا عن الغنائم والمكاسب والأدوار سواء لدي دوائر القرار أو إلي موائد الورشات والمؤتمرات التي ترعاها الدول والمنظمات ذات الأجندة المشبوهة في عواصم البلدان !

 

ومن هذه الزاوية ، يمكن النظر إلى القوات المسلحة باعتبارها “حزب الوطن” ؛ فهي المؤسسة الوحيدة التي تحتضن أبناء السودان من مختلف القبائل والأقاليم والأعراق والثقافات ، حيث ينصهرون جميعًا تحت راية واحدة ، هي راية السودان في ممارسة قومية وعملية في نموذج لحسن ادارة التنوع والتعدد ، فهل تفعل أحزابنا ذلك وهي علي سدة الحكم ؟

 

أما الأحزاب ( فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ..كل حزب بما لديهم فرحون ) ! فمن الطبيعي أن يختلفوا في الأفكار والبرامج ، لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول المناصب إلى غاية ، والسلطة إلى “غنيمة” ، وأصبح الولاء للحزب أو للزعيم مقدمًا على الولاء للوطن ، فغاب المشروع الجامع وحضرت المصالح الضيقة .

 

وهنا تبرز المفارقة : المؤسسة التي يُطالب البعض بهيكلتها تقوم على الانضباط والتداول الوظيفي والواجب الوطني ، بينما كثير من الأحزاب التي تطالب بذلك لم تُصلح بنيتها الداخلية بعد ، ولم تترسخ الديمقراطية داخل تنظيماتها ، ولم تقدم نموذجًا مؤسسيًا يحتذى به .

 

وليس معنى ذلك أن القوات المسلحة لا تحتاج إلى التطوير والإصلاح ، فهذه سنة جارية في جميع جيوش العالم ، التي تراجع عقائدها العسكرية ، وتطور هياكلها ، وتحدث تسليحها وأساليب عملها وفق الإمكانات والمتغيرات .

 

لكن الأمر يجب أن يكون قائمًا على العدل والموضوعية والمهنية ، لا على المزايدة السياسية أو الكيل بمكيالين والتماهي مع أجندة الأعداء ، وقد قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ .

والقول السديد يقتضي أن تخضع جميع مؤسسات الدولة ، المدنية والسياسية والعسكرية ، لمعايير الإصلاح نفسها .

 

ولهذا فإن نجاح أي انتقال ديمقراطي يبدأ أولًا بإصلاح الحياة الحزبية والسياسية ، ومن خلال قانون حازم للأحزاب يلزمها بالديمقراطية الداخلية ، والانتخاب الدوري للقيادات ، وتحديد مدد شغل المناصب ، والشفافية والحوكمة والرقابة المالية ، وتجريم التمويل والدعم السياسي من الخارج ، وتشجيع اندماج الأحزاب المتقاربة حتى يكون التنافس بين برامج وطنية لا بين كيانات هشة .

 

وبالتوازي مع ذلك ، يحتاج السودان إلى إصلاح في خدمته المدنية ، وفي القضاء والنيابة العامة ، ودستور دائم يحدد شكل الدولة ويفصل بين السلطات ، وينظم العلاقة بين مؤسساتها ، ويؤكد أن القوات المسلحة والشرطة والأمن والمخابرات مؤسسات “قومية” محترفة ، حارسة للدستور والسيادة الوطنية ، تقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين والقوى السياسية ، بينما تتنافس الأحزاب على خدمة الشعب عبر البرامج وصناديق الاقتراع .

 

إن أزمة السودان ليست أزمة في الجيش ، وإنما أزمة في بناء دولة المؤسسات والقانون ، وإذا كان الإصلاح مطلوبًا من الجميع ، فإن الأولوية المنطقية تقتضي أن تبدأ الأحزاب بإصلاح نفسها قبل أن تجعل من إصلاح الجيش قضيتها الأولى والأخيرة .

 

فالديمقراطية التي لا تبدأ داخل الأحزاب ، لن تنجح عندما تصل تلك الأحزاب إلى السلطة ، ولن يكون الانتقال الديمقراطي مستدامًا إلا إذا قامت مؤسساته جميعًا على قواعد واضحة من الانضباط ، والشفافية ، والتداول ، وتقديم مصلحة الوطن على ما سواها من مصالح وعندها فقط ستكون الدولة فوق العشيرة والقبيلة والحزب .

‫شاهد أيضًا‬

تعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية … خطوة في الاتجاه الصحيح

في لحظة فارقة من تاريخ السودان، جاء قرار تعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية ليعيد إلى الأ…