‫الرئيسية‬ مقالات قصاصات: من ملفات العدالة الناجزة-الانتقائية -الانتقالية  العفو ..! “Pardon” 
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

قصاصات: من ملفات العدالة الناجزة-الانتقائية -الانتقالية  العفو ..! “Pardon” 

من دفتر مقاربات ومقارنات   د. مهندس / نجاة الامين عبدالرحمن 

عفوا عزيزى القارئ ، يحتوى هذا المقال على اجابات تقريبية لاسئلة تم طرحها بقصد التوضيح وفتح ابواب ونوافذ النقد البناء للتصحيح واثراء المعرفة ، والعفو من حيث الاسم والفعل له سياقات مختلفة ولكنها تتفق والمفهوم العام للعفو لغة واصطلاحا ومقصودا ، حسب مقتضيات الحال والظروف والملابسات مثالا لا حصرا ، عندما يشكرك احدهم ويكون ردك ” عفوا” فهذا الرد يفهم منه بانك مافعلت الا الواجب او كأنك تقول له لاشكر على واجب ، وعندما تقع فى خطا ما ، وتبادر بالاعتذار عنه ولكن تجد رد الاعتذار لك “عفوا ” فالعفو فى هذه الحالة يفيد ” المحى او ازلة سبب الاعتذار عنه اومنه دون لوم او عتاب ”

 

ومن ذكريات بواكر وصباحات ايام وليالى العيد السعيد يتصافح ويتوادع الجميع الجار والصديق والرفيق والصاحب فى الحل والترحال والزميل فى العمل والتجارة والدراسة فى محبة واخوة طلبا للعفو والعافية ، لمحى وازالة ونسيان مابدر او صدر من صغائر وهفوات لتصفو وتسمو الصلات الطيبة بينهم ،

 

وعلى سياق متصل كذلك يطلب الابناء من ابائهم العفو والرضا فيكون جميل الرد لهم عافين منكم دنيا واخرة “ياجناي” ، وعلى نحو اخر ومن مقاصد العفو و عندما لايسمعك احدهم او لايفهم ماتقول ويؤد مساعدتك فيقول لك بادب “جم ” “عفوا ” ، ولكن عندما يكون الامر فيه جدل وخلاف سياسى او قانونى فالعفو فى هذه الحالة ومن حيث السياق وطبيعة الحال يقصد منه العفو الجنائي ” Pardon ” . وللتذكير والذكرى ، ان الذكرى تنفع المؤمنين نذكر ان كلمة عفوا مصدر من عفا يعفو “عفوا” واسم الفاعل منه عاف وعفو والعفو هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب ، وهو فى الاصل المحو والطمس ، وعندما تقول عفوت عنك اى تجاوزت عن حقى فى العقاب ، و من حيث السياق فى الاسلام فهو التسامح وترك العقاب رغم القدرة على الانتقام ، كذلك قد يفهم ويقصد منه فى القانون والسياسة “العفو الجنائي ” كما اسلفنا ، وهو قرار يصدره رئيس الدولة او السلطة المختصة لاعفاء الشخص المدان من العقوبة الصادرة ضده او تخفيضها او اسقاط التبعات الجنائية بالكامل بهذا يكون العفو على هذا السياق شكل من اشكال السلطة التنفيذية التى يمارسها الرئيس والحكام للعفو عن العقوبات الجنائية او تخفيضها اواعفاء بعض الافراد من بعض العقوبات القانونية للادانة ومما يجدر ذكره ،

 

ان العفو بشقيه العام والخاص لهما شروط واجراءات لابد من مراعاتها عند التنفيذ ، وفى مقارنة و مقاربة بينهما وجد ان كلاهما اداتان قانونيتان لانهاء او تخفيف العقوبات ولكنهما من حيث المقارنة فكلاهما يختلفان فى الجهة المانحة مصدر العفو ، ونطاق التطبيق والاثار القانونية المترتبة على كل منهما ، ولتوضيح ذلك فهذه بعض نقاط اختلاف وجدت بينهما منها ان العفو الخاص عادة يصدر بامر او مرسوم من رئيس الدولة او الملك وهو اجراء سيادى تنفيذى يصدر بعد صدورحكم نهائي وبدء تنفيذ العقوبة ، وهو يصدر تجاه فرد معين بالذات وصدر بحقه ادانة وهو يختصر على العقوبة فقط فيسقطها كليا او جزئيا او يستبدلها بعقوبة اخف ولكنه لا يمحو الجريمة من السجل المدنى ، اما العفو العام “الشامل او الموضوعى ” فهو يصدر بقانون او تشريع من السلطة التشريعية مثل : البرلمان او مجلس تشريعى ، وهو موضوعى يشمل جريمة معينة او مجموعة محددة من الجرائم بغض النظر عن هوية الشخص ، “ويشمل كل من ارتكب هذا الفعل ” وهو يزيل صفة الجريمة عن الفعل ويسقط الدعوى الجزائية ويمحو الحكم وكافة اثاره الجنائية والتبعية كأن الجريمة لم ترتكب ، مما يلزم مراعاة الاثار المترتبة من منح العفو وذلك باتخاذ التدابير اللاحقة التى من شانها تحقق الهدف العام من العفو العام وخاصة فيما يتعلق بالحقوق الخاصة للمتضررين من الحرب كجبر الضرر ، والتعويض المناسب كما ينبغى الا يهدف العفو العام الى تمكين مجرمى الحرب والمتمردين المسلحين كالذين اشعلو هذه الحرب الضروس على السودان وجيشه العظيم وشعبه الكريم او اولئك الذين انتهكوا قوانين الحرب انتهاكا خطيرا من الافلات من المعاقبة على افعالهم ، كذلك لابد من الاخذ فى الاعتبار صلاحيات التنفيذ خاصة فى حالة العفو بمعنى الغاء رسمى للتبعات القانونية لجريمة ما ،

 

والعفو فى هذه الحالة يمنح من قبل الحاكم لاستعادة بعض من الحقوق المدنية مثل : “حق التصديق – حق حمل السلاح – والقدرة على الترشيح للمناصب العامة او الخدمة العسكرية – الحصول على الترخيص ” ، كما يتعين وبالضرورة معرفة اسباب العفو العام فمنها على سبيل المثال: الاعتبارات السياسية والوطنية وهذه تتبناها الدولة احيانا لطئ صفحات الماضى فى فترات التحول السياسى او تعزيز المصالحة الوطنية او بمناسبة الاعياد الوطنية الكبرى لتعزيز الروابط بين الشعب والقيادة ، كذلك من الاسباب منح فرصة للمحكومين بجرائم بسيطة او غير جسيمة للعودة للمجتمع واصلاح انفسهم والبدء بحياة جديدة ، كذلك للاستفادة من اهداف العفو المتمثلة فى التشجيع على المصالحة واحلال السلام وتمكين المجتمعات المحلية والامم من التعافى من الجروح التى خلفتها الحرب ، لذلك تلجا السلطات لانهاء الاعمال العدائية ، بالتاكيد ودون جدل هذه اهداف نبيلة ولكن لابد من مراعاة عدم المساس بالحق الخاص كجرائم القصاص او جرائم الحدود ..، الخ ، والسؤال : هل العفو العام او الخاص وسيلة لالغاء المسؤولية الجنائية فى جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية والابادة الجماعية ؟ قبل الاجابة على هذا السؤال لابد من الاشارة الى ان منح العفو العام لايكون الا بمخول دستورى ، وعليه لابد من الاشارة الى ان كل رؤوساء وحكام وملوك دول العالم لديها هذا الحق فى منح العفو بمختلف انواعه العام ، الخاص ، الرئاسى والسودان كغيره من الدول للرئيس او الحاكم الحق فى منح العفو ، فقانون الاجراءات الجنائية السودانى لسنة ١٩٩١ م المعدل لسنة٢٠٢٥م نص على ذلك ، فهو مصطلح شامل ويشير الى اليات متعددة تشير الى الصلاحيات التنفيذية كما ثبت بمالا يدع مجالا للشك ان العفو والعدالة قيمتان ضروريتان لتحقيق السلم ولا يمكن ان يتعارضان لتلغى احداهما الاخرى ،

 

وعليه لايمكن يكون العفو وسيلة للافلات من العقاب ولا يمكن ان تنتقص العدالة لتكون انتقائية ” كما حدث فى محاكم نورمبيرج ” ، ويضيع الحق الخاص للضحايا وذويهم ، لذلك نجد الان العديد من شعوب العالم المحبة للسلام و كل الاتفاقيات الخاصة بحقوق الانسان ، تدين العنف وتنبذ الحرب وانتهاكتها وتدعو للسلم عبر العفو العام دون المساس بالحقوق الخاصة كا “الجرائم الجنائية والانتهاكات الخطيرة اثناء الحرب واعقابها ” ، التى حددتها قوانين العفو لكل دولة وحسب ماتنص عليه دساتيرها وتاكد وتؤيد ذلك كل من اتفاقيات جنيف والبرتوكلات الاضافية والمحكمة الجنائية والقانون الدولى حيث تنص متون صفحاتها وصفائحها على ان لا يسمح بالافلات من العقاب عبر العفو العام او الخاص مرتكبى جرائم الحرب الذين ارتكبوا جرائم “القتل – التعذيب – العنف الجنسى – مهاجمة المدنيين – او اى جرائم اخرى ارتكبت اثناء النزاع او التمرد المسلح مثالا لاحصرا نذكر مجازر وانتهاكات المتمرد المسلح فى السودان منها مجازر ” المساليت – اردمتا – الفاشر – السريحة – مستريحة – ودابونورة – الهلالية – ابوعشر – التكينة – الخرطوم الصالحة – معسكرات اللاجئين “طويلة – زمزم ” – ..الخ ” حقيقة العفو لايعنى الافلات من العقاب ونكرر ان العفو والعدالة وسيلتين ضروريتين لاقرار السلم وصون حقوق الانسان ، والسؤال التاريخى هل العفو العام يعتبر تمهيدا لتطبيق العدالة الانتقالية ؟ قبل الاجابة على هذا السؤال ، هذه سياحة معرفية بين اسطر وصفائح وصفحات ملفات العدالة بانواعها المختلفة نقف عند بعضها بهدف اختيار مايناسب مرحلة الانتقال السياسى والقانونى بعد هذه الحرب الضروس للاستعداد لمرحلة التحول الديمقراطى بسلاسة “تامين -سالمين – امنين ”

 

وللتذكير نذكر العدالة الناجزة وهذه من اهم اهدافها منع تراكم الدعاوى وتمكين اصحاب الحقوق من نيل حقوقهم فى الوقت المناسب دون بطء او مماطلة وهى تعد من المحاكم الاستثنائية ، والقصد منها الفصل فى القضايا والخصومات القضائية فى فترة زمنية مناسبة ومعقولة مع ضمان توفر كافة شروط وضمانات المحاكم العادلة وللتاريخ نذكر ان هذا النوع من العدالة قد تم تطبيقه فترة حكم جعفر نميرى ، كذلك وعلى صعيد متصل نذكر العدالة الانتقائية التى من اهم ممارساتها السئية هى تعاملها بمنهج ازدواجية المعاير وخير مثال لذلك ما تقوم به محكمة الجنائيات الدولية تجاه الدول الافريقية او دول العالم الثالث ،فهذا النوع من العدالة يسعى لاصدار العفو العام لحماية قادة لانظمة عسكرية من الملاحقة مما يؤدى ذلك الى حرمان ضحايا القمع من العدالة فهى تعمل على تعميق الانقسامات المجتمعية وتغذي الثأرات وتعرقل الانتقال الديمقراطى، وللمقارنة فهى على النقيض من اهداف واستراتيجية العدالة الانتقالية التى تسعى لانصاف جميع الضحايا ومنع تكرار الانتهاكات ومعالجة ارث انتهاكات حقوق الانسان الجسيمة ، وتشمل محاكمة الجناة ، كشف الحقيقة تعويض الضحايا ، كما تقدم اعترافا بحقوق الضحايا وتشجع الثقة المدنية وتقوى سيادة القانون كذلك من اهم اهدافها تحديد المسئولية عن انتهاكات حقوق الانسان ومعاقبتهم ، وتعويض الضحايا والحفاظ على السلام الدائم واصلاح المؤسسات خاصةاجهزة انفاذ القانون “الشرطة – القضاء – السجون – الخ..، “المنوط بها تطبيق العدالة الانتقالية ، عبر برنامج اصلاحى هو: اصلاح مؤسسات انفاذ القانون ومراجعة اجراءات الاصلاح “Reform” – اعادة هيكلة التنظيم الداخلى لهذه المؤسسات “Restructuring”- اعادة بناء هذه المؤسسات “Rebuilding” ومما يجدر الاشارة اليه وهو ان مسارات العدالة الانتقالية تختلف باختلاف السياق السياسى والاجتماعى لكل الدول وهذه بعض من تجارب دول لها نماذج مختلفة لتطبيق العدالة الانتقالية نذكر منها بايجاز وعلى سبيل المثال لا الحصر نموذج ” لجنة الحقيقة والمصالحة” جنوب افريقيا – نموذج “المحاكم الشعبية ” رواندا – نموذج “هئية الحقيقة والكرامة ” تونس – ” نموذج “العدالة الجنائية والمحاسبة القانونية” المانيا – نموذج ” توثيق وتحديد طبيعة الانتهاكات السابقة ” غواتيمالا – نموذج ” هئية الانصاف والمصالحة ” المغرب ، ونتيجة لمتانةالصلة بين العفو العام والعدالة فهما بلا شك وسيلتين ضرورتين للسلم واتساقا وتمشيا مع شروط العفو التى تتفق وتتطابق اجراءات الادلاء بالشهادة امام لجان اليات العدالة الانتقالية ، بذلك يمكن اعتبار ان العفو العام تمهيدا للعدالة الانتقالية ، بل هو طريق ممهد لتطبيقها ، ونسبة لذياع صيت نجاحات تجارب العديد من الدول فى تطبيق العدالة الانتقالية ومن باب الاخذ بتجارب ونماذج تطبيق العدالة الانتقالية لبعض الدول والاقتداء بها واختيار انسبها لتطبيقها فى السودان ، فهذه وجهة نظرى ودون تردد او تراجع ارى الاخذ بتجربة نموذجى اسبانيا والمغرب معا ، فى ارساء “سياسات الحق والدولة١” و”الانصاف والمصالحة٢” ، للاقتداء بهما فى شكل اصلاحات مؤسسية جوهرية على نحو تدريجى ، وفقا للسياق السياسى والاجتماعى للسودان تسلمى يابلادى.

 

يونيو٢٠٢٦م

‫شاهد أيضًا‬

برافو لصحوة إستئصال الفساد..ودك مخابئ عناصره اللعينة

*وحرب الفساد لابد أن تبدأ (بهدم) أوكاره علي رؤوس (المفسدين) بهمة لاتعرف (التراخي) ولاتخشي …