‫الرئيسية‬ مقالات حين تسقي دول الجوار من الكأس الذي قدّمته للسودان
مقالات - ‫‫‫‏‫17 ساعة مضت‬

حين تسقي دول الجوار من الكأس الذي قدّمته للسودان

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي 

في لحظةٍ فارقة من تاريخ المنطقة، تتبدّى أمامنا حقيقةٌ مريرة مفادها أن التدخل في شؤون الآخرين ليس طريقاً مفروشاً بالورود، بل هو مسارٌ مليءٌ بالأشواك التي تعود لتغرس نفسها في يد من زرعها أولاً. السودان، البلد الذي يواجه واحدة من أعقد الحروب في تاريخه المعاصر، وجد نفسه أمام واقعٍ إقليميٍ متشابكاً، حيث اختارت بعض دول الجوار الاصطفاف ضد الدولة السودانية في معركتها ضد المليشيات، متناسيةً أن النار التي تُشعل في بيت الجار لا يمكن أن تبقى محصورةً خلف الحدود.

 

لقد راهنت تلك الدولة على أن إضعاف السودان سيمنحها نفوذاً أو مكاسباً سياسية أو أمنية، غير مدركة أن التاريخ لا يرحم، وأن الجغرافيا لا تتغيّر، وأن من يعبث بأمن الآخرين سيجد أمنه مكشوفاً في لحظةٍ ما. فالسودان، رغم جراحه، بلدٌ عصيٌ على الانكسار، وشعبه يمتلك من الصلابة ما يجعل كل رهانٍ على سقوطه ضرباً من الوهم السياسي.لكن الدولة التي وقفت ضد السودان، وساندت المليشيات،وفتحت أبوابها للتدخلات ستكتشف عاجلاً أو آجلاً أن الفوضى لا تعرف حدوداً، وأن الشرارة التي تُرسل إلى الخارج تعود إلى الداخل بأضعافاً مضاعفة.

 

إنّ ما يحدث اليوم ليس مجرد صراعٍ عابر، بل هو إعادة تشكيلٍ لموازين القوى في المنطقة، حيث تتبدّل التحالفات، وتتغيّر الحسابات، وتظهر حقائق كانت مخفيةً تحت ركام المجاملات الدبلوماسية. فالدولة التي اختارت أن تكون جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل، ستجد نفسها في مواجهة تحدياتٍ أمنيةٍ داخليةٍ لم تكن في الحسبان، لأن دعم المليشيات في بلدٍ مجاور يعني فتح الباب أمام المليشيات في الداخل، ولأن إضعاف دولةٍ مستقرة يعني زعزعة استقرار المنطقة بأكملها.

 

السودان اليوم يقاتل دفاعاً عن سيادته، عن جيشه، عن مؤسساته، عن تاريخه، وعن شعبه الذي رفض أن يكون رهينةً للفوضى أو للمرتزقة. ومع ذلك، فإنّ بعض الأطراف الإقليمية لم تقرأ المشهد جيداً، ولم تدرك أن الوقوف ضد الدولة السودانية هو وقوفٌ ضد استقرار المنطقة، وأن دعم المليشيات هو لعبٌ بالناراً، وأن النار حين تشتعل لا تسأل عن هوية من أشعلها.

 

إنّ هذه الدولة التي وقفت ضد السودان ستسقي من نفس الكأس، ليس لأن السودان يسعى للانتقام، بل لأن قوانين الجغرافيا السياسية لا ترحم، ولأن من يزرع الفوضى يحصد الفوضى، ولأن من يفتح الباب للمرتزقة سيجدهم يوماً ما على عتبة بيته، ولأن من يضعف جاره يضعف نفسه دون أن يدري. فالسودان، رغم كل ما يمر به، سيخرج أقوى، لأن الشعوب التي تُختبر بالنار تخرج أصلباً، ولأن الدول التي تواجه المليشيات وتنتصر عليها تبني مستقبلاً أكثر صلابةً واستقراراً.

 

لقد أثبتت التجارب أن التدخل في شؤون الدول الأخرى لا يجلب إلا المتاعب، وأن اللعب على التناقضات الداخلية للدول المجاورة لا يصنع نفوذاً بل يصنع عداءاً،وأن اللعب بالنار لايحرق لا من شاعلها، وأن دعم المليشيات لا يحقق مكاسب بل يفتح أبواباً من الجحيم السياسي والأمني. والسودان الذي وقف وحيداً في مواجهة واحدة من أخطر المليشيات في المنطقة، سيكتب فصلاً جديداً من تاريخه، بينما ستجد تلك الدولة نفسها أمام تحدياتٍ لم تكن تتوقعها، لأن التاريخ لا ينسى، ولأن الجغرافيا لا تغفر، ولأن الشعوب لا تسامح من يعبث بأمنها.

 

إنّ الرسالة التي يرسلها السودان اليوم إلى المنطقة واضحةً: من يقف مع الدولة ينتصر معها، ومن يقف مع الفوضى يسقط معها. ومن يراهن على المليشيات يخسر، ومن يراهن على الشعوب يكسب. والدولة التي اختارت الاصطفاف ضد السودان ستكتشف قريباً أن الكأس التي قدّمتها ستعود إليها، وأن النار التي أشعلتها ستصل إلى حدودها، وأن التاريخ سيكتب أن من وقف ضد السودان وقف ضد نفسه.

 

إنّ السودان ليس مجرد بلدٍ في خارطة المنطقة، بل هو ركيزةٌ أساسيةٌ في أمنها واستقرارها، ومن يعبث بهذه الركيزة سيجد الأرض تهتز تحت قدميه. فالتاريخ يعيد نفسه دائماً، والعدالة الجيوسياسية لا تتأخر، والكأس التي يشرب منها السودان اليوم ستُقدّم غداً لمن ظنّ أنه بعيداً عن النار.

 

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

انتخاب السودان عضواً في المجلس التنفيذي للمجلس الإداري لـ(كافراد)  

اختتم السودان مشاركته في أعمال الدورة الحادية والستين (61) للمجلس الإداري للمركز الإفريقي …