‫الرئيسية‬ مقالات من ميادين القتال إلى بوابات الاستسلام… هل تمحو راية التسليم ذاكرة الجرائم؟
مقالات - ‫‫‫‏‫13 ساعة مضت‬

من ميادين القتال إلى بوابات الاستسلام… هل تمحو راية التسليم ذاكرة الجرائم؟

حديث الساعة إلهام سالم منصور

كلما اقتربت القوات المسلحة السودانية من حسم معركة الكرامة واستعادة السيطرة الكاملة على ربوع الوطن، ضاقت مساحات المناورة أمام مليشيا الدعم السريع، وبدأت خياراتها تتآكل يوماً بعد يوم. فمن كان يظن أن السلاح سيمنحه السلطة والنفوذ، وجد نفسه اليوم بين خيارين لا ثالث لهما: الاستسلام أو مواجهة مصير الهزيمة في الميدان.

وما نشهده اليوم من تزايد حالات استسلام بعض قيادات وعناصر الدعم السريع ليس – في نظر كثير من المتابعين – انضماماً نابعاً من قناعة وطنية، وإنما هو استسلام فرضته موازين القوة بعد أن تبددت أوهام الحسم العسكري، وانكشفت حقيقة المشروع الذي قاد البلاد إلى واحدة من أقسى الأزمات في تاريخها.

لقد دفعت الحرب ثمناً باهظاً من دماء السودانيين وأمنهم واستقرارهم. مدن دُمِّرت، وقرى أُحرقت، وممتلكات نُهبت، وآلاف الأسر شُردت، وملايين المواطنين عاشوا مرارة النزوح واللجوء، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية والاجتماعية التي ستحتاج البلاد إلى سنوات طويلة لتجاوز آثارها.

ومن هنا يبرز سؤال يردده كثير من السودانيين: هل يكفي أن يرفع من حمل السلاح راية الاستسلام حتى تُطوى صفحة الماضي؟ وهل يمكن تجاوز المطالبة بالعدالة دون مساءلة من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات والجرائم؟

إن قبول الاستسلام كخطوة لإنهاء القتال شيء، والإعفاء من المسؤولية القانونية شيء آخر. فالدول التي تسعى إلى بناء سلام مستدام لا تستغني عن العدالة، لأن العدالة هي الضمان الحقيقي لعدم تكرار المآسي، وهي التي تمنح الضحايا شعوراً بأن حقوقهم لم تضِع، وأن القانون يقف فوق الجميع.

إن الشعب السوداني عُرف عبر تاريخه بالتسامح والعفو، وهي قيم أصيلة لا خلاف عليها، لكن التسامح لا ينبغي أن يكون بديلاً عن سيادة القانون. فالعدالة ليست انتقاماً، وإنما هي حق للضحايا، ورسالة بأن الأرواح والممتلكات وكرامة الإنسان ليست أموراً يمكن تجاوزها دون مساءلة قضائية عادلة.

إن السودان وهو يقترب من مرحلة جديدة، يحتاج إلى ترسيخ دولة المؤسسات، حيث يخضع الجميع للقانون، ويُفرَّق بين من لم يتورط في جرائم، وبين من تثبت مسؤوليته أمام القضاء وفق محاكمات عادلة ومستقلة تكفل حقوق جميع الأطراف.

فالمعركة لا تنتهي بانتهاء إطلاق النار فقط، وإنما تنتهي عندما يشعر المواطن بالأمن، ويعود النازح إلى منزله، ويُجبر الضرر، وتُصان الحقوق، ويأخذ القانون مجراه دون محاباة أو انتقائية.

إن المستقبل الذي يتطلع إليه السودانيون يجب أن يُبنى على ثلاث ركائز: النصر، والعدالة، والمصالحة الوطنية. فهذه الركائز وحدها هي الكفيلة بإغلاق صفحة الحرب وفتح صفحة جديدة عنوانها السودان الآمن المستقر، الذي يسوده السلام وتحكمه هيبة الدولة وسيادة القانون.

الخميس ١٦يوليو٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

انتخاب السودان عضواً في المجلس التنفيذي للمجلس الإداري لـ(كافراد)  

اختتم السودان مشاركته في أعمال الدورة الحادية والستين (61) للمجلس الإداري للمركز الإفريقي …