‫الرئيسية‬ مقالات حين يتزاحم الطامعون على المناصب… يقف الأوفياء على المتاريس
مقالات - ‫‫‫‏‫26 دقيقة مضت‬

حين يتزاحم الطامعون على المناصب… يقف الأوفياء على المتاريس

حديث الساعة إلهام سالم منصور

في كل الحروب تتبدل الوجوه، وتسقط الأقنعة، ويُعرف الرجال بمواقفهم لا بكلماتهم. هناك من يقضي وقته في حسابات السياسة وتقاسم السلطة، وهناك من لا يعرف إلا طريق الواجب، يحمل روحه على كفه ويقف في وجه الخطر دفاعًا عن وطنه. وبين هذين الطريقين تتحدد قيمة الإنسان، ويكتب التاريخ أسماء من صنعوا المجد، لا أسماء من تفاوضوا على المكاسب.

أكتب اليوم إلى الذين لم يسألوا عن نصيبهم من السلطة، ولا عن مقاعد الحكم، ولا عن تقسيمات مخرجات جوبا، ولا عن حصص الوزارات والامتيازات. أكتب إلى الذين لم يكن في قاموسهم سوى كلمة واحدة هي السودان.

أكتب إلى الذين تركوا خلفهم أسرًا وأطفالًا وأحلامًا مؤجلة، وخرجوا وهم يعلمون أن العودة ليست مضمونة، وأن الشهادة احتمال قائم في كل لحظة، لكنهم آمنوا أن الأوطان لا يحميها إلا رجال يؤثرونها على أنفسهم.

أكتب إلى الذين باعوا متاع الدنيا الفاني، واشتروا شرف الدفاع عن الأرض والعرض، مؤمنين بأن الوطن إذا ضاع فلن يبقى لمنصب قيمة، ولا لثروة معنى، ولا لسلطة بريق.

المجد والخلود لكل من حمل البندقية دفاعًا عن الحق والقضية، ولكل من رابط في الخنادق، وصبر على الجوع والعطش وقسوة الميدان، ولكل من كتب بدمائه صفحات من تاريخ السودان الحديث.

وأكتب بكل فخر إلى شباب بلادي الأوفياء، الذين أثبتوا أن الوطنية ليست شعارات ترفع في المناسبات، وإنما مواقف تُترجم إلى تضحيات. شباب لم ينتظروا راتبًا ولا ترقية ولا منصبًا، ولم يساوموا على وطنهم، بل تقدموا الصفوف لأنهم أدركوا أن الدفاع عن السودان شرف لا يضاهيه شرف.

إن هؤلاء الشباب هم الثروة الحقيقية للوطن، وهم الاستثمار الذي لا يخسر، وهم الجيل الذي أثبت أن السودان لا يزال قادرًا على إنجاب الرجال وقت الشدائد.

وليس من الوفاء أن نتذكرهم في الخطب فقط، بل الواجب أن تتحول تضحياتهم إلى سياسات عملية تحفظ حقوقهم وتصون كرامتهم. فمن قدم روحه للوطن يستحق أن يعيش كريمًا، ومن فقد صحته في ساحات القتال يستحق الرعاية والعلاج، ومن استشهد دفاعًا عن السودان تستحق أسرته الرعاية والدعم والعيش الكريم.

إن مسؤولية الدولة لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل تبدأ مرحلة جديدة عنوانها الوفاء لمن صنعوا النصر، وذلك عبر تحسين أوضاع العسكريين المعيشية، وتأهيل الجرحى، ورعاية أسر الشهداء، والاهتمام بأبناء المقاتلين في التعليم والصحة والإسكان، حتى يشعر كل من ضحى بأن وطنه لم ينسه.

كما أن المجتمع كله مطالب بأن يرسخ ثقافة احترام المقاتل وتقدير تضحيته، لأن الأمم التي تحفظ الجميل لأبنائها تبني مستقبلها على أسس من الوفاء، أما الأمم التي تنسى من ضحوا من أجلها فإنها تفقد أهم قيمها الإنسانية والوطنية.

إن التاريخ لا يخلد أصحاب المناصب، فالمناصب زائلة، ولا يكتب أسماء من تنازعوا على المكاسب، لكنه يحفظ أسماء الذين صانوا الأرض وحموا السيادة، والذين قدموا أرواحهم ليبقى الوطن واقفًا شامخًا.

ختامًا، نقول لكل جندي في القوات المسلحة السودانية، ولكل فرد في القوات المساندة، ولكل من وقف دفاعًا عن السودان: لكم منا التحية والتقدير والوفاء. وإن اختلف الناس في السياسة، فإن تضحياتكم تبقى محل احترام وتقدير، لأنكم حملتم مسؤولية ثقيلة في مرحلة عصيبة من تاريخ الوطن.

رحم الله الشهداء، وشفى الجرحى، وأعاد المفقودين إلى ذويهم، وحفظ السودان أرضًا وشعبًا، وجعل رايته دائمًا عالية خفاقة.

الاربعاء ٢٢يوليو٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

التيار الشبابي المستقل: إشراك الجميع شرط أساسي لنجاح أي حوار وطني

أكد التيار الشبابي المستقل تمسكه بإنجاح مسار الحوار الوطني الشامل، مشدداً على ضرورة أن تقو…