‫الرئيسية‬ مقالات ملتقى أهل الإعلام: حين تعمق المنصات جراح الشتات
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

ملتقى أهل الإعلام: حين تعمق المنصات جراح الشتات

شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

في وقتٍ يعيش فيه الصحفي السوداني محنةً إنسانية ومهنية هي الأصعب في تاريخ الحديث، كان المؤمل من المحافل المسماة بأسماء المهنة الجامعة أن تسد الثغرات وتضم الشمل. غير أن ما جرى مؤخراً في العاصمة من تجميع لافتات تحت مسمى “ملتقى أهل الإعلام”، لم يفعل سوى تكريس معالم الإقصاء، وصنع شرخ جديد في جسم إعلامي أنهكته الحرب وبعثرت طاقاته بين الداخل ودول الشتات.

تجلت الحقيقة حول الجهة المنظمة لهذا الملتقى من خلال الوجوه التي اعتلت المنصة ورأيت الجلسات؛ إذ إن حضور قيادات بعينها يشير بوضوح إلى أن المقود كان بجمعية نقابية انتهت شرعيتها الدستورية والانتخابية منذ سنوات. وبدلاً من أن تتطرق المنصة لأسئلة الشرعية والتفويض المفقود، اختارت أن تسير على نهج المحاصصة الانتقائية، ووزعت الدعوات لحضور الملتقى وفق معايير غامضة وشبكات علاقات خاصة، شملت أشخاصاً أُحضروا من عواصم متعددة بالخليج وأوروبا وأستراليا، بينما طُويت أوراق قامات صحفية راسخة في الداخل والخارج.

تتجلى مرارة هذا الإقصاء لدى كتل إعلامية كاملة عانت ويل التجاهل. ككاتب وهامش على حاشية هذا المشهد، وأحد الإعلاميين المقيمين بمصر لسنوات طويلة تسبق الأزمة الحالية، نجد أنفسنا -مع عشرات زملائنا الذين يتخذون من القاهرة مقراً لهم- خارج حسابات هذه المنصات تماماً. والأنكى من ذلك، أننا أقمنا كياناً أهلياً يمثل الصحفيين والإعلاميين الموجودين هنا للذود عن قضاياهم والتعاطي مع واقعه المأساوي، لكن هذا التجمع يواجه بتجاهل تام وعدم اعتراف من القادمين الجدد من إعلاميي “اللجوء” الذين تسببت الحرب في وصولهم مؤخراً إلى مصر.

إن جذر المشكلة لا يكمن فقط في العلاقات الشخصية بين الإعلاميين، بل يرتبط بتعطيل المؤسسات الدبلوماسية الرسمية لأدوارها الحقيقية. فحين يُغيب الدور الرسمي للمستشارية الإعلامية بالسفارة في دولة بحجم مصر تضم أكبر تجمع للصحفيين السودانيين في دول الجوار، تُترك الملفات الإعلامية ليد الفوضى والاجتهادات الفردية، ويصبح التحكم في مصائر أهل المهنة بداخل وخارج الملتقيات محكوماً بأهواء أفراد يبحثون عن مصالح حصرية ومكاسب ضيقة على حساب المأساة العامة.

إن القضايا الهيكلية التي تواجه الصحفيين اليوم لا تُحل بعقد ملتقيات شابهها غموض الأجندة، وضبابية التمويل، وشكليات الصور التذكارية في الفنادق؛ فالإعلاميون الذين فقدوا مصادر دخلهم ومؤسساتهم بحاجة إلى مؤسسات منتخبة تعبر عن جمعيات عمومية حقيقية، تقدم حلولاً عملياً لملفات العلاج، والسكن، والحماية، وتأمين سبل العيش الكريم. إن صناعة الاصطفاف الوطني وتوحيد الرسالة الإعلامية لدعم قضايا الوطن في هذه المرحلة الحساسة يتطلبان إرادة حقيقية لردم الفجوات لا لتعميق الشقوق، وحواراً شاملاً يستوعب الجميع بلا استثناء ولا استعلاء، بعيداً عن إرث الاحتكار وسياسة المحصنين في المنصات المغلقة.

‫شاهد أيضًا‬

السودان… حين يبدأ الصعود

السودان يقف اليوم أمام واحدة من أخطر لحظاته.   حرب أنهكت الإنسان، وانقسامات مزقت المج…