‫الرئيسية‬ مقالات عندما بكينا فباعوا دموعنا
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعة واحدة مضت‬

عندما بكينا فباعوا دموعنا

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي 

في كل مرة ينكسر فيها ظهر هذا الوطن، يقف بعضهم في الظل يبتسم. لا يبكون معنا. لا يشاركوننا الحزن. هم فقط يعدّون الأرباح. الأزمة عندهم ليست كارثة. الأزمة هي موسم. موسم حصاد طويل، بارد، لا يرحم.

 

تجار الأزمات لا يولدون صدفة. هم صناعة قديمة بقدر قدم الخوف. يظهرون حين يختفي الخبز من الأفران، وحين ترتفع أصوات الأطفال جوعاً في منتصف الليل، وحين يصبح الدواء حلماً لا يقدر عليه إلا من باع ما تبقى من كرامته. في تلك اللحظة بالذات، يخرجون من جحورهم ببدل أنيقة ووجوه جامدة، يحملون أكياس السكر كما يحمل الجزار سكينه، ويبيعون لنا الهواء بسعر الماء.

 

نعم، بعض السياسيين يتاجرون. يتاجرون بالخطابات الرنانة في النهار، وبالصفقات المظلمة في الليل. يصعدون على جثث الأزمات ليصلوا إلى كراسي لم يكونوا ليحلموا بها لولا هذا الخراب.يعدونك بالحلول وهم أول من صنع المشكلة. يبيعونك الوهم بالتقسيط،ويقبضون الثمن نقداً من دمك. تراهم في المؤتمرات يذرفون دموع التماسيح، ثم يعودون إلى مكاتبهم ليوقعوا على عقود تزيد الفقر فقراً، وتزيد الغني غنى فاحشاً. السياسة عندهم لم تعد خدمة، صارت بورصة. وسعر السهم فيها هو معاناتك.

 

وبعض التجار لا يختلفون كثيراً. هم الذين كانوا بالأمس يبيعونك بالدين، واليوم يغلقون الأبواب في وجهك. يخزنون الدقيق في المخازن حتى يتعفن، فقط ليرتفع سعره غداً. يشترون الدواء بالجملة ويبيعونه بالقطارة لمن استطاع إليه سبيلاً. لا يسألون عن مريض، ولا عن أم تبحث عن لبن لطفلها. يسألون فقط: كم وصل السعر اليوم؟ كم سنربح إذا جاع الناس أكثر؟ الضمير عندهم سلعة بائرة لا سوق لها. والإنسانية كلمة ساذجة لا تدر دخلاً.

 

وحتى أصحاب العقارات، أولئك الذين كان من المفترض أن يكونوا مأوى، تحولوا إلى جلادين جدد. في عز النزوح والتشرد، حين يبحث الناس عن سقف يحميهم من البرد ومن الخوف، يرفعون الإيجارات إلى السماء. يغلقون بيوتهم في وجه الأسر المفجوعة، ويفتحونها فقط لمن دفع أكثر. يشاهدون الناس ينامون في الشوارع، ثم يعلنون عن “شقة فاخرة للإيجار” بسعر يساوي راتب سنة. البيت الذي كان ستراً صار سلاحاً. والسكن الذي هو حق صار تجارة رابحة على أنقاض الخوف.

 

الوجع الأكبر ليس في أنهم يفعلون ذلك. الوجع الأكبر أننا اعتدنا. اعتدنا أن نرى الأزمة ثم نرى من يبتسم فيها. اعتدنا أن نبحث عن الرحمة فنجد فاتورة. اعتدنا أن نصرخ فلا يسمعنا إلا صدى جيوبهم وهي تمتلئ.

 

هذا الوطن لا ينزف فقط من الحروب والفقر. هذا الوطن ينزف من الداخل. ينزف من قلوب تجمدت ومن أياد امتدت لتسرق اللقمة من فم الجائع وتقول له: هذا هو سعر البقاء.

 

في ليالي الأزمات الطويلة، حين يعم الظلام، لا يضيء لنا أحد. فقط نرى أضواء محلاتهم مفتوحة، وأنوار فللهم لا تنطفئ. ونسمع ضحكاتهم من بعيد، وهي تخلط بين صوت بكائنا وصوت عد النقود.

 

تجار الأزمات ليسوا أشخاصاً. هم فكرة. فكرة تقول إن الإنسان يمكن أن يباع، وأن الكرامة يمكن أن تسعر، وأن الوجع يمكن أن يتحول إلى رقم في دفتر الأرباح.ولن نتوقف عن تسميتهم. لن نصمت. لأن الصمت هنا خيانة، والنسيان تواطؤ.

 

وسيأتي يوم نحاسب فيه كل من اتجر بدموعنا. يوم لا ينفع فيه مال ولا عقار ولا منصب. يوم يكون الحساب بالخبز الذي احتكر،وبالدواء الذي أخفي، وبالباب الذي أغلق في وجه مشرد.حتى ذلك اليوم سنظل نكتب وسنظل نتذكر وسنظل نحزن حزناً طويلاً، ثقيلاً، لا يشبه إلا وجع هذا الوطن.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

السودان… حين يبدأ الصعود

السودان يقف اليوم أمام واحدة من أخطر لحظاته.   حرب أنهكت الإنسان، وانقسامات مزقت المج…