صمود وتأسيس: تماهٍ عضوي وخطاب مزدوج في المشهد السوداني قريب الله العوض

في خضم المشهد السوداني المعقد، تبرز ظاهرة سياسية بالغة الأهمية تتجلى في العلاقة العضوية بين تجمع “صمود” المدني ومجموعة “تأسيس” المرتبطة بمليشيا الدعم السريع. هذه العلاقة ليست وليدة الصدفة أو مجرد تحالف تكتيكي عابر، بل هي نتاج تماهٍ سياسي وفكري يعكس تقاطعاً في المصالح والأهداف الاستراتيجية بين قوى تزعم العمل من أجل الديمقراطية وأخرى تحمل السلاح وتتهم بارتكاب انتهاكات جسيمة. فمنذ انقسام تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية “تقدم” إلى كيانين، ظهر “صمود” بزعامة عبد الله حمدوك من جهة، و”تأسيس” المدعوم من قوات الدعم السريع من جهة أخرى، لكن الحدود بينهما بدت ضبابية إلى درجة التماهي في العديد من المواقف والمشاريع السياسية. وقد عبر هذا التماهي عن نفسه بشكل واضح من خلال الموقف المتطابق تقريباً إزاء القضايا الوطنية المصيرية، حيث تبنى الطرفان رؤى سياسية متشابهة حول إعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس علمانية لا مركزية، بل ووصل الأمر إلى حد التنسيق غير المعلن في بعض المبادرات السياسية الدولية، كما ظهر في محاولات حمدوك الدؤوبة لطرح مبادرات سلام تفتح الباب أمام شرعنة الوجود السياسي للدعم السريع تحت مسميات مختلفة.
ولا يمكن فهم هذه العلاقة المعقدة دون النظر إلى الجذور التاريخية والاجتماعية التي أنتجت كلا الكيانين. فمن الناحية التاريخية، يمثل “صمود” امتداداً لقوى الحرية والتغيير التي ارتبطت بتحالفات ملتبسة مع قوات الدعم السريع منذ فترة ما قبل الحرب، بينما تشكل “تأسيس” الوجه السياسي الجديد لهذه القوات بعد أن احترقت أخلاقياً وعسكرياً بسبب جرائم الحرب المنسوبة إليها. وهذا التداخل التاريخي يفسر الاستمرارية في العلاقة بين الطرفين رغم الانقسام الظاهري. أما من الناحية الاجتماعية، فإن كلا الكيانين يستمد شرعيته من شرائح مجتمعية متشابهة إلى حد ما، تتمثل في النخب المدنية والسياسية التي ترفع شعارات التغيير والديمقراطية ولكنها تتغاضى عن الانتهاكات المرتكبة من قبل حلفائها العسكريين تحت ذرائع براغماتية مختلفة. هذا التجاور الاجتماعي خلق بيئة خصبة للتماهي بين الخطاب المدني للمعارضة والخطاب العسكري للمليشيات، حيث أصبح من الصعب تمييز الحدود بينهما في العديد المواقف والمبادرات السياسية.
ويتجلى التماهي السياسي بين “صمود” و”تأسيس” في عدة مستويات، أبرزها المستوى الخطابي حيث يتبنى الطرفان خطاباً سياسياً متطابقاً في الدعوة إلى دولة مدنية علمانية لا مركزية، وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وإقصاء قوى الإسلام السياسي كما يسمونه من المشهد السياسي.
كما يظهر هذا التماهي على مستوى المشاريع السياسية حيث تقدم “تأسيس” مشروعاً دستورياً يلغي الوثيقة الدستورية ل2019 ويؤسس لجيش جديد قائم على قوات الدعم السريع وبعض الحركات المسلحة، بينما يطرح “صمود” رؤية سياسية تدعو إلى إصلاح جذري للمؤسسة العسكرية وتفكيك نظام البشير، مما يشير إلى تقاطع كبير في الأجندة السياسية بين الطرفين رغم الاختلاف في الصياغات والآليات. أما على مستوى التحالفات الإقليمية والدولية، فيلاحظ أن كلا الكيانين يحظى بدعم أطراف إقليمية ودولية متشابهة، حيث تسعى دول مثل بريطانيا وبعض القوى الأوروبية إلى تعويم عبد الله حمدوك كممثل شرعي للقوى المدنية بينما تدعم بشكل غير مباشر مشروع “تأسيس” كوسيلة للضغط على الحكومة السودانية الشرعية في بورتسودان. هذا التداخل في الدعم الدولي يعكس طبيعة العلاقة العضوية بين المشروعين ويؤكد أن الانقسام بينهما هو انقسام تكتيكي أكثر مما هو انقسام استراتيجي أو أيديولوجي.
أما على الأرض، فإن آثار هذا التماهي السياسي بين “صمود” و”تأسيس” تظهر بشكل جلي في تعقيد المشهد السياسي وإطالة أمد الحرب التي أنهكت السودان وشعبه. فبينما يقدم “صمود” نفسه كقوة مدنية محايدة تبحث عن السلام، فإن صمته المطبق عن جرائم الدعم السريع ومواقفه المتساوية بين الجيش السوداني والمليشيات المسلحة يفضي إلى تقوية المشروع السياسي لـ”تأسيس” عملياً. هذا التواطؤ غير المعلن يمكن تفسيره في إطار نظرية “توزيع الأدوار” بين القوى المدنية والعسكرية في الصراع السوداني، حيث يقوم “صمود” بدور الوجه المدني المقبول بينما تقوم “تأسيس” بدور القوة العسكرية الضاغطة على الأرض، لكن الهدف المشترك هو إعادة إنتاج النظام القديم بوجوه جديدة وأدوات مختلفة. كما أن هذا التماهي يسهم في إضعاف الجبهة الداخلية للمعارضة المدنية الحقيقية ويشكل انتكاسة لمشروع الثورة السودانية التي نادت بالحرية والسلام والعدالة، حيث يتم اختطاف هذه المطالب الشعبية وتوظيفها في خدمة أجندات قوى التمرد والعنف.
في الختام، يمكن القول إن العلاقة بين “صمود” و”تأسيس” تجسد إشكالية عميقة في المشهد السياسي السوداني، حيث تذوب الحدود بين المدني والعسكري، وبين الخطاب الثوري والممارسة الانتهازية. هذه العلاقة العضوية القائمة على التماهي السياسي ليست إلا تعبيراً عن أزمة أعمق في بنية القوى السياسية السودانية التي ترفع شعارات التغيير والديمقراطية ولكنها تتحالف مع قوى الظلام والدمار. إن فصل هذه العلاقة المرضية يتطلب وعياً نقدياً عميقاً بين النخب السياسية والسودانيين عموماً، وإعادة بناء المشروع الديمقراطي على أسس واضحة تقطع مع الالتباسات والتحالفات الملتبسة، وتؤسس لمسار سياسي حقيقي يعيد السودان إلى أهله ويحقق أحلام الثورة في دولة ديمقراطية تليق بتضحيات الشعب السوداني.
من أين للحكومة عصا موسي….؟!!ويكفي الحكومة الرد بأعمالها…كل الحكومات عُرضة للسخط..!!
أذكر في آخر لقاء جامع للرئيس نميري مع قادة ومواطنين وهو يهم (بالسفر) لأمريكا ذلك السفر الذ…





