نقطة ارتكاز د. جادالله فضل المولي يكتب: السودان يمشي على قدم مكسورة… ولا يستند على أحد

في قلب الخراب، يمشي السودان على قدمه المكسورة، لا يستند على كتف أحد، ولا يطلب عوناً من يدٍ تركت أثرها ثم اختفت. بلدٌ يتنفس من رئة واحدة، ويقاوم الموت بابتسامةٍ متعبة، كأن الحياة فيه لا تُمنح، بل تُنتزع انتزاعاً من بين أنياب الحرب والجوع والنسيان.
الواقع السوداني ليس مجرد أخبارعاجلةتتناقلها الشاشات بل هو وجعٌ يومي، يعيشه الناس في تفاصيلهم الصغيرة، وفي حلمٍ يُدفن قبل أن يُولد.
الخرطوم لم تعد عاصمةً، بل بيوتاً لأشباحٍ تتجوّل بين جدرانٍ مهدّمةٍ وأحلامٍ منسية. المدينة التي كانت تنبض بالحياة تحوّلت إلى مسرحٍ للغياب. باتت مرآةً لا تُظهر وجهه، بل تُظهر ندوبه.
وكردفان ، التي كانت تُلقّب بـ”السودان المصغّر”، لم تعد نقطة التقاء للتنوع، بل صارت مفترقاً للألم. من الأبيض إلى كادوقلي، ومن الفولة إلى أبو جبيهة، تتناثر المدن بين أنفاس المعارك ونداءات النزوح. جبال النوبة لم تعد شاهدة على التعايش، بل على الانقسام. الصمغ العربي لم يعد محصولاً استراتيجياً، بل شجرة وحيدة في أرضٍ عطشى. في كردفان، لا تُحصى الخسائر، ولا تُرمم المدارس، ولا تُزرع الحقول. الناس هناك لا ينتظرون مؤتمرات السلام، بل ينتظرون أن يعودوا إلى بيوتهم دون خوف، أن يجدوا ماءً في الصباح، ودواءً في المساء، وأملاً في الغد.
ودارفور لم تعد إقليماً، بل جرحاً مفتوحاً ينزف بلا توقف. من الفاشر إلى نيالا، ومن الجنينة إلى زالنجي، تتوالى الفواجع، ويُكتب التاريخ هناك بالدم لا بالحبر. المدن السودانية باتت سجلاتً للألم، تُدوّن أسماء الضحايا وتُعلّق آمالها على حبالٍ مهترئة من وعودٍ دوليةٍ لا تصل، ومساعداتٍ لا تعبر الحواجز. في دارفور، لا تُحصى القذائف، ولا تُدفن الجثث في وقتها، ولا تُشفى الأرواح من هول ما ترى.
الناس هناك لا ينتظرون النشرات، بل ينتظرون الكهرباء، الماء، الأمان. ينتظرون أن يناموا دون صوت قذيفة، أن يستيقظوا دون خبر فقدان. ينتظرون أن يكون الوطن وطناً، لا ساحةً لتصفية الحسابات. ومع ذلك، لا ينهارون. يرممون أرواحهم بما تبقى من كرامة، ويواصلون السير على قدمٍ مكسورة، لأنهم يعرفون أن الاستسلام ليس خياراً.
في السودان، لا أحد يترك أثر يده على كتف أحد، لأن الجميع مثقلون بما يكفي. كل كتفٍ هناك يحمل وطناً، وكل يدٍ مشغولةٌ بالبقاء. ومع ذلك، لا تزال هناك نساءٌ يخبزن الأمل، ورجالٌ يزرعون الصبر، وأطفالٌ يرسمون الغد على جدرانٍ مهدمة.
السودان لا يحتاج إلى شفقة، بل إلى عدالة. لا يحتاج إلى بياناتٍ دولية، بل إلى فعلٍ حقيقي. لا يحتاج إلى من يربّت على كتفه، بل إلى من يمشي معه، ولو على قدمٍ مكسورة.
meehad74@gmail.com
أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار (الحلقة السابعة عشرة) قلق الخروج
■ غادرنا رفيق الدرب الثالث، ذاك التاجر الدارفوري الذي قاسمنا وجع اللحظة؛ وضعناه أمام عتبة …





