ما وراء البحار بقلم: عباس حمدون ” تدخُّل الدول في حرب جيرانها: هل هو ملمح استعمار حديث أم نفوذ يبرره القانون الدولي

في سياق:
تجربة التسوية اليمنية القديمة وجهود الرباعية حول الحرب السودانية “
ما بين القانون المكتوب والالتزام بتطبيقه، ظهر تحدٍ جديد يتعارض مع القوانين العالمية التي تنظم حياة هذا الجيل. أصبحت النصوص تُهمل بسبب صراعات الدول، وظهرت ممارسة سيئة جديدة، وهي تدخل الدول في شؤون دول أخرى تعاني من صراعات داخلية. بالرغم من وجود قوانين دولية وإقليمية، سكتت هيئات الأمم المتحدة، ممثلة في الجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية، والدول التي تملك حق النقض في مجلس الأمن الدولي عن هذه التجاوزات. هؤلاء المسؤولون عن إصدار القرارات ومراقبة تطبيق القانون الدولي. يُفسر هذا السكوت كأنه موافقة على تدخل الدول في الشؤون الداخلية للدول التي تشهد صراعات مسلحة، خاصة في دول العالم الثالث الضعيفة.
حتى خبراء وفقهاء القانون الدولي عجزوا عن وضع قانون إجرائي لتنظيم تطبيق القانون الدولي والقرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالإضافة إلى السوابق القضائية للمحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية.
النظام العالمي الجديد، الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، أصبح مهيمناً على الساحة الدولية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي في أواخر القرن العشرين. الدول الأفريقية هي المنطقة التي غالباً ما تنتهك فيها القوانين الدولية، وتُجبر على تغيير سيادتها الداخلية لتتوافق مع متطلبات النظام العالمي الجديد، بعيداً عن الالتزام بالقوانين التي تنظم الحقوق والواجبات بين الدول. هذه القوانين، التي تحظر تدخل الدول في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، واضحة ومعلنة ومعلقة تحت الشمس وفوق فضاء الدنيا:
١
ورد في المادة (2) الفقرة (7) من ميثاق الأمم المتحدة: “ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما، وليس فيه ما يقتضي الأعضاء أن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم هذا الميثاق، على أن هذا المبدأ لا يخل بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع.”
من هذا النص، نفهم أن هناك استثناءات تسمح بالتدخل الدولي، مثل تلك المنصوص عليها في الفصل السابع، وكذلك التدخل بحجة حفظ السلم والأمن الدوليين وحماية حقوق الإنسان. هذه الاستثناءات تخلق ثغرة في الشرعية تسمح بالتدخل في شؤون الدول الأخرى، وهي جزء من النظام العالمي الجديد الذي يراقب الصراعات الداخلية.
٢
أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارات عديدة تؤكد على عدم التدخل في شؤون الدول الداخلية واحترام سيادتها. هذه القرارات تعتبر قوانين آمرة وملزمة، مثل القرار رقم ٢١٣١ عام ١٩٦٥ والقرار رقم ٣٦/١٠٣ عام ١٩٨١، وما تلاها من قرارات أخرى صدرت بعد ذلك.
٣
أرست ميثاق جامعة الدول العربية مبدأ يمنع الدول الأعضاء من التدخل في الشؤون الداخلية لبعضها البعض واحترام سيادتها. لكن، هذا المبدأ لم يُنفذ بشكل كامل بسبب الخلافات بين الدول العربية حول تقاطعات مصالحها، والضغط الخارجي من النظام العالمي الجديد، الذي يؤثر على المنطقة العربية والأفريقية.
بالرغم من وجود العديد من القوانين الملزمة، هناك فرق كبير بين ما يُكتب وما يُنفذ على أرض الواقع. في قضية سابقة لمحكمة العدل الدولية عام ١٩٨٦، المتعلقة بالصراع الداخلي في نيكاراغوا، بين الحكومة الدولة، ممثلة في حكومة جبهة التحرير الوطني، و جماعة الكونترا المتمردة على الدولة، تدخلت الولايات المتحدة بتمويل وتدريب هذه الجماعة. رفعت حكومة نيكاراغوا دعوى قضائية ضد الولايات المتحدة الأمريكية، متهمة إياها بالتدخل في شؤونها الداخلية. حكمت المحكمة لصالح نيكاراغوا، وقضت بأن الولايات المتحدة انتهكت القانون الدولي العرفي، وثبتت اتهامها بالسيطرة الفعلية على جماعة الكونترا لدعمها ضد حكومة جبهة التحرير الوطني.
أما في سياق المحكمة الجنائية الدولية، نجد قضية المحكمة الخاصة بيوغسلافيا. أرست المحكمة سابقة قضائية تنص على أن “تحميل دولة ما المسؤولية عن أفعال جماعة مسلحة يتطلب إثبات سيطرة هذه الدولة على الجماعة، ليس فقط من خلال التجهيز والتمويل، بل أيضاً من خلال التنسيق أو المساعدة في التخطيط العام لنشاطها العسكري. ومع ذلك، ليس من الضروري إثبات أن الدولة متورطة مباشرة في القرارات المتعلقة بكل عمل عسكري معين”. هذا يعني أن المحكمة الجنائية الدولية ضيقت من نطاق إثبات التدخل، على عكس محكمة العدل الدولية.
“دور السودان في التسوية اليمنية ودور الرباعية في الحرب السودانية”
لعب السودان دوراً مهماً في حل أطول حرب أهلية في القرن العشرين. بدأ الصراع في اليمن بين الملكيين، بدعم من المملكة العربية السعودية في عهد الملك فيصل، والحكومة الشرعية بقيادة عبد الله السلال، المدعومة من مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر. توسط السودان، ممثلاً في رئيس الوزراء السابق محمد أحمد محجوب، في حل الأزمة. عُقد أول اجتماع في منزله بالخرطوم، جمع الملك فيصل والرئيس جمال عبد الناصر لمناقشة مسودة اتفاقية عُرفت باتفاقية السلام اليمنية. عُقد هذا الاجتماع في ليلة سُميت بليلة الخرطوم. كان من بنود الاتفاقية تشكيل لجنة ثلاثية لإيجاد حل نهائي للحرب اليمنية. وافقت السعودية على وقف تمويل الملكيين مالياً وعسكرياً، ووافقت مصر على سحب قواتها تدريجياً من اليمن. وقّع الملك فيصل الاتفاقية نيابةً عن السعودية، ووقّع الرئيس جمال عبد الناصر نيابةً عن مصر. ووقّع محمد أحمد محجوب كشاهد على الاتفاقية. عندما علم الرئيس اليمني عبد الله السلال بالاتفاقية، رفضها رفضاً قاطعاً، واعتبرها تدخلاً في الشؤون الداخلية لليمن، مُجادلاً بأنها أُبرمت سراً دون علمه. وفي القمة العربية التي عقدت في الخرطوم، التقى محمد أحمد المحجوب بالرئيس اليمني عبدالله السلال وأطلعه على نتائج المباحثات التي أجراها مع الملك فيصل والرئيس جمال عبد الناصر، وأخبره بأنهم لم يكن يقصدوا التدخل في شؤون اليمن الداخلية. بل كانت الاتفاقية تهدف إلى إنهاء مشاركة الدولتين في الحرب اليمنية، والتوقف عن دعم أطراف الصراع. على الرغم من رفض عبد الله السلال لاتفاقية الخرطوم، وبفضل محاولات رئيس الوزراء محمد أحمد محجوب المتعددة، تم حل مشكلة الحرب. توصلت أطراف الصراع إلى اتفاقية نهائية أوقفت أطول حرب أهلية في تلك الفترة، ونجحت خطة السلام التي وضعها محمد أحمد محجوب.
اليوم، التاريخ يتكرر، والسودان تواجه المشكلة بدلاً من أن تكون الوسيط لحل مشاكل جيرانها. في الماضي، كانت السودان تقود اللجنة الثلاثية، أما اليوم فهي تراقب وتنتظر، وتحافظ على سيادتها خلال مباحثات اللجنة الرباعية. بدأت اللجنة الثلاثية بحل المشكلة عن طريق إيقاف الدول التي تدعم الصراع، قبل أن توجه جهودها لأطراف الصراع أنفسهم.. وعلى اللجنة الرباعية أن تفعل الشيء نفسه، وإلا فإن جهودها لن تجدي نفعاً في إنهاء الصراع في السودان. في الماضي، كانت السودان تتعامل مع مشاكل جيرانها بحسن نية، واليوم يجب أن تتعامل بحكمة ومنطق. إذا كان العالم في الماضي تحت سيطرة المعسكر الاشتراكي، فإن اليوم يدار بواسطة النظام العالمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.. ولله عاقبة الأمور.
التيار الإسلامي بعد حرب الكرامة : من مكاسب اللحظة إلى استحقاقات النهضة
أعادت حرب الكرامة تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي في السودان على نحو عميق ، فلم تكن مجرد م…





